وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن هذا محمد بن زبالة ضعيف لا يحتج به، والثابت عن الصحابة باتفاق أهل العلم أنهم كانوا إذا استسقوا دعوا الله؛ إما في المسجد وإما في الصحراء، وهذا الاستسقاء المشروع باتفاق أهل العلم، فإنهم اتفقوا على دعاء الله واستغفاره.
واختلفوا هل يصلى للاستسقاء على قولين: وجمهورهم على أنه يصلى له، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وأما أبو حنيفة فلم يعرف الصلاة في الاستسقاء، والجمهور عرفوا ذلك بما ثبت في الصحاح والسنن والمسانيد أن رسول الله - ﷺ - صلى في الاستسقاء ركعتين، والصحابة في زمن عمر وغيره صلوا واستشفعوا بالعباس وغيره، ولم يكشفوا عن قبره، ولو كان مشروعًا لما عدلوا عنه.
وهذا العلم العام المتفق عليه لا يعارض بما يرويه ابن زبالة وأمثاله؛ ممن لا يجوز الاحتجاج به، ولو قال عالم يستحب عند الاستسقاء أو غيره أن يكشف عن قبر النبي - ﷺ - أو غيره من الأنبياء والصالحين لكان مبتدعًا بدعة مخالفة للسنة المشروعة عن رسول الله - ﷺ - وعن خلفائه.
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في (كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه -﷿- في زيارة قبر أمه) ٢/ ٦٧١ رقم ٩٧٦.
(٢) سيأتي تخريجه في ص ٢٦٥.
[ ١٠٤ ]
الثاني: أن هذا الفعل ليس حجة على محل النزاع سواء كان مشروعًا أو لم يكن، فإن هذا استنزال للغيث على قبره، والله -تعالى- ينزل رحمته على قبور أنبيائه وعباده الصالحين، وليس في ذلك سؤال لهم بعد موتهم ولا طلب ولا استغاثة بهم، والاستغاثة بالميت والغائب سواء كان نبيًا أو وليًا ليس مشروعًا ولا هو من صالح الأعمال، إذ لو كان مشروعًا أو حسنًا من العمل لكانوا به أعلم وإليه أسبق، ولم يصح عن أحد من السلف أنه فعل ذلك.
ومما يبيّن كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقيًا كما كان على عهد النبي - ﷺ -: بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة: "أن النبي - ﷺ - يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد" (١).
ولم تزل الحجر كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول - ﷺ -، وكان نائبه على المدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز وكانت حجر أزواج النبي - ﷺ - شرقي المسجد وقبليَّه، فأمره أن يشتريها من ملاكها ورثة أزواج النبي - ﷺ - فاشتراها وأدخلها في المسجد، فزاد في قبلي المسجد وشرقيه، ومن حينئذٍ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، وإلا فهي قبل ذلك كانت خارجة عن المسجد في حياة النبي - ﷺ - وبعد موته، ثم إنه بنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك من أجل كنس أو تنظيف.
ولو صح ذلك لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يُقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه، فأين هذا من هذا؟! والمخلوق إنما ينفع المخلوق بدعائه أو بعمله، فإن الله -تعالى- يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة السلام على نبيه - ﷺ - ومحبته وطاعته وموالاته، فهذه الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه، وإن أريد أن نتوسل إليه بما تُحب ذاته وإن لم يكن هناك ما يحب الله أن نتوسل به من الإيمان والعمل الصالح فهذا باطل عقلًا وشرعًا، أما عقلًا فلأنه ليس في كون
_________________
(١) سيأتي تخريجه في ص ٢٦٦.
[ ١٠٥ ]
الشخص المعين محبوبًا له ما يوجب كون حاجتي تقضى بالتوسل بذاته، إذا لم يكن مني ولا منه سبب تقضى به حاجتي، فإن كان منه دعاءٌ لي؛ أو كان مني إيمان به وطاعة له، فلا ريب أن هذه وسيلة، وأما نفس ذاته المحبوبة فأي وسيلة في فيها، إذا لم يحصل في السبب الذي أمرت به فيها، ولهذا لو توسل به من كفر به مع محبته له لم ينفعه، والمؤمن به ينفعه الإيمان به وهو أعظم الوسائل.
فتبين: أن الوسيلة بين العباد وبين ربهم -﷿- الإيمان بالرسل وطاعتهم ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
وأما الشرع فيقال العبادات كلها مبناها على الاتباع لا على الابتداع، فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فليس لأحد أن يصلي إلى قبره ويقول: وهو أحق بالصلاة إليه من الكعبة، وقد ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".