قال الشيخ: والجواب عن هذا الكلام -مع ما فيه من الجهل والإلحاد والشرك في الدين والافتراء على الله والرسول وعباده المؤمنين- أن يقال: هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة، كما أنه إذا ذكر حكم بدليل معلوم ذُكِرَ ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي.
ولهذا كان العلماء متفقين على جواز الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة؛ من الأخبار التي تُكلم في بعض رواتها لسوء حفظ أو نحو ذلك، وبآثار الصحابة والتابعين، بل بأقوال المشايخ والإسرائيليات والمنامات مما يصلح للاعتضاد، فما يصلح للاعتضاد نوع وما يصلح للاعتماد نوع، وهذا الخبر من النوع الأول فإنه رواه الطبراني في معجمه من حديث ابن لهيعة، وقد قال أحمد: "قد كتبت حديث الرجل لأعتبر وأستشهد به مثل حديث ابن لهيعة"، فإن عبد الله بن لهيعة قاضي مصر كان من أهل العلم والدين باتفاق العلماء ولم يكن ممن يكذب باتفاقهم، ولكن قيل إن كتبه احترقت فوقع في بعض حديثه غلط، ولهذا فرقوا بين من حدَّث عنه قديمًا و[بين من حدَّث عنه] حديثًا، وأهل السنن يروون له، والسياق الذي ذكر فيه
_________________
(١) سيأتي تخريج الحديث ص ١٩٩.
[ ١١٨ ]
هذا الحديث في جواب الفتيا (١) لفظه: فأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله، لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم، إلى أن ذكر الحديث لأن فيه لفظ الاستغاثة التي كان فيها النزاع وهو في كتاب مشهور.
وقد روى الناس هذا الحديث من أكثر من خمسمائة سنة إن كان ضعيفًا، وإلا فهو مروي من زمان النبي - ﷺ -، وما زال العلماء يقرؤون ذلك ويسمعونه في المجالس الكبار والصغار ولم يقل أحد من المسلمين إن إطلاق القول: إنه لا يستغاث بالنبي - ﷺ - كفر ولا حرام، وكان في إيراده بيان تقدم تكلم العلماء والسلف بهذا اللفظ، ولو كان عبد الله بن لهيعة ذاكرًا لا آثرًا لم ينكره المسلمون عليه؛ لكان في ذلك مستند لهذا الإطلاق، فإن الرجل قاضي مصر في ذلك الزمان وهو من أكبر العلماء المفتين ونظير لليث بن سعد، والغلط الذي وقع في حديثه لا يمنعه أن يكون من أهل الاجتهاد والفتيا.
_________________
(١) أي فتوى ابن تيمية وتسمي "الاستغاثة" أو "رسالة الاستغاثة".
[ ١١٩ ]
النص المحقق
[ ١٢١ ]
سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٥)
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - ﵀ - (المتوفى ٧٢٨ هـ)
دراسة وتحقيق
د. عبد الله بن دجين السهلي
عضو هيئة التدريس بقسم الثقافة الإسلامية - جامعة الملك سعود
[ ١٢٣ ]