امتحن شيخ الإسلام ابن تيمية محنًا عديدة، ما تكاد تنتهي محنة حتى تبدأ محنة جديدة، إلى أن لقي ربه وهو في سجن القلعة بدمشق.
ولعل من أعظم أسباب هذه المحن عداء بعض العلماء والقضاة له؛ لمواقفه العظيمة؛ ووجاهته عند الناس؛ وتشرّب كثير منهم بالبدع: من بدع الفلاسفة وأهل الكلام أو القبورية والصوفية، وأول هذه المحن محنته بسبب الفتوى الحموية (١)، ثم محنته ومناظرته حول الفتوى الواسطية (٢)، وهما في تقرير مذهب السلف في الصفات والرد على المتكلمين، لذا لم يكن للصوفية دور بارز فيهما، وإنما كان لبعض رجالاتهم سعي لدى السلطان؛ لامتحان الشيخ مرة بعد أخرى.
ثم كان امتحان الشيخ وذهابه إلى مصر وسجنه بالجب ثمانية عشر شهرًا، أما محنته مع الصوفية ففي مصر بعد خروجه من السجن وبقائه فيها، كان يتطرق إلى جوانب عقدية تمس أحوال الصوفية وبدعهم؛ فقام نصر
_________________
(١) ملخص هذه المحنة: أن شيخ الإسلام ابن تيمية كتب جوابًا سئل عنه من حماة في الصفات، فذكر فيه مذهب السلف، ورجحه على مذهب المتكلمين، فقام عليه بعض الأشاعرة لأنهم يرجحون مذهب المتكلمين، وقد كانت في ربيع الأول سنة ٦٩٨ هـ. انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، تأليف د. عبد الرحمن المحمود، ١/ ١٧٦ - ١٧٨، ط. الأولى ١٤١٥ هـ الناشر مكتبة الرشد الرياض.
(٢) وبدأت هذه المحنة في يوم الاثنين الثامن من رجب سنة ٧٠٥ هـ حين ورد مرسوم من السلطان بأن يسأل الشيخ عن عقيدته، فأحضر الشيخ العقيدة الواسطية والتي كتبت قبل سبع سنين، وقرئت وجرى نقاش حول عدة قضايا، وعقدت مجالس أخرى انتهت لصالح الشيخ. انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، تأليف د. عبد الرحمن المحمود ١/ ١٧٩ - ١٨٢.
[ ٢٢ ]
المنبجي (١) وابن عطاء الله السكندري (٢) -وللبكري دور فيها- بإثارة أتباعهم من المتصوفة، فاجتمع خلق كثير منهم؛ من أهل الخوانق والربط والزوايا واتفقوا أن يشكوا الشيخ إلى السلطان، فطلع منهم خلق كثير إلى القلعة وكانت لهم ضجة شديدة لفتت انتباه السلطان، واستعانوا عليه بالأمراء وغيرهم، وذلك في شوال سنة ٧٠٧ هـ.
فأمر السلطان أن يُعقد له مجلس، فَعُقِد له مجلس يوم الثلاثاء العاشر من شهر شوال سنة ٧٠٧ هـ، وادعى عليه ابن عطاء بأشياء، فلم يثبت عليه منها شيء، لكنه قال: "لا يستغاث إلا بالله، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة، ولكن يتوسل به، ويستشفع به إلى الله"، فبعض الحاضرين قال: ليس عليه في هذا شيء، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة (٣) أن هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي: "قد قلت له ما يقال لمثله"، ثم جاء الأمر من الدولة أن يخيّر بين أن يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شرط، فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبرًا لخواطرهم، ثم لما سافر ليلة ١٨ شوال من السنة نفسها، رُد من الطريق وقيل: "إن الدولة ما ترضى إلا بالحبس"، فقال القاضي ابن جماعة: "وفيه
_________________
(١) هو: أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر الكبجي المنبجي صوفي له زاوية بالحسينية، كان الجاشنكير يعتقد فيه، وكان يغالي في محبة ابن عربي الصوفي، مات سنة ٧١٩ هـ ودفن بزاويته. انظر: ذيول العبر في خبر من غبر، لشمس الدين الذهبي، تحقيق أبو هاجر محمد زغلول ٤/ ٥٥ الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ - الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، والبداية والنهاية ١٤/ ١٠٤.
(٢) هو: أبو الفضل تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الإسكندري، صوفي شاذلي، من أشد خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية توفي سنة ٧٠٩ هـ. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ١/ ٢٧٥ ترجمة رقم ٧٠٢، والأعلام للزركلي ١/ ٢٢٢.
(٣) هو بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، الحموي الأصل ولي الحكم والخطابة بالقدس، ثم نقل منه إلى قضاء مصر، كان -﵀- ديّنًا ورعًا، له تصانيف نافعة منها: "المنهل الروي في الحديث النبوي" وغيره، توفي سنة ٧٣٣ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ١٧٨، والأعلام ٥/ ٢٩٧.
[ ٢٣ ]
مصلحة له"، واستناب ابن جماعة بعض القضاة أن يحكموا فيه بالحبس فامتنع أحدهم وتحير الآخر، فلما رأى الشيخ توقفهم في حبسه قال: "أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة"، فأرسل إلى حبس القضاة وأذن له بأن يكون معه من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة، فإنه كان قد استحوذ على عقل الجاشنكير (١) الذي تسلطن فيما بعد.
واستمر الشيخ في الحبس يستفتى؛ ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة، ثم عقد له مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشيخ بالقاهرة وأكب الناس على الاجتماع به (٢).
فلما كثر اجتماع الناس بالشيخ وترددهم عليه ساء ذلك أعداءه وحصرت صدورهم؛ وصاحب ذلك تسلطن الجاشنكير تلميذ نصر المنبجي، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ينال من الجاشنكير؛ ومن شيخه نصر المنبجي، ويتكلم في ابن عربي وأتباعه.
فقرروا أن يسيِّروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي؛ -في نهاية شهر صفر سنة ٧٠٩ هـ- ومنعوا أن يذهب معه أحد من أصحابه رجاء أن يقتل، وأقام بثغر الإسكندرية في برج مليح واسع؛ يتردد عليه الناس وقد لحق به أصحابه، وبقي ثمانية أشهر، فلما رجع السلطان الناصر إلى الحكم وقدم مصر في يوم عيد الفطر ٧٠٩ هـ؛ لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ ابن تيمية من الإسكندرية، فقدم إليه في الثامن من شهر شوال.
وبقي الشيخ في القاهرة إلى سنة ٧١٢ هـ، حيث خرج لجهاد التتر صحبة
_________________
(١) هو ركن الدين الملك المظفر بيبرس الجاشنكير المنصوري، من سلاطين المماليك، كان من مماليك المنصور قلاوون، وتسلطن في زمن الناصر محمد قلاوون، لما ذهب الناصر للكرك مكرهًا، في سنة ٧٠٩ هـ، كان يعظم نصر المنبجي الإتحادي، وهذا سبب إيذاء شيخ الإسلام في عهده. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٦٠ - ٦١ والأعلام ٢/ ٧٩.
(٢) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٤٩ - ٥٠، والعقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تأليف الإمام محمد بن أحمد بن عبد الهادي، تحقيق محمد حامد الفقي ص ٢٧٠ - ٢٧٢ الناشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، والكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية، تأليف مرعي الكرمي الحنبلي، تحقيق نجم عبد الرحمن ص ١٣٣ الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ، الناشر دار الغرب الإسلامي بيروت - لبنان.
[ ٢٤ ]
الجيش المصري؛ وقدم دمشق أول ذي القعدة سنة ٧١٢ هـ (١)، ثم سجن الشيخ وامتحن بسبب فتواه في الطلاق باعتبار الثلاث بكلمة واحدة طلاقًا رجعيًا، في الثاني والعشرين من شهر رجب سنة ٧١٩ هـ (٢).
ثم كانت أعظم المحن التي مرت على الشيخ وأتباعه، وهي محنته بسبب فتواه في شد الرحال إلى القبور، وقد كُذِبَ عليه فيها وحرِّفت، حتى جاء مرسوم السلطان بإقامته في القلعة في السادس من شهر شعبان سنة ٧٢٦ هـ، وسجن جماعة من أتباعه وضيِّق عليهم، وعزر جماعة منهم على دواب، ونودي عليهم، ثم أطلقوا؛ سوى ابن القيم الذي حبس في القلعة، ثم أخرج ما عند الشيخ من الكتب بأمر السلطان، وصار يكتب رسائله بالفحم، فكان ذلك من أعظم المصائب عليه (٣) حتى مات -يرحمه الله- في الحبس.
ولا يخفى دور الصوفية والرافضة في هذه المحنة، وقد انتصر له كثير من العلماء: من علماء الشام وبغداد وغيرهم، وكتبوا بما يوافق قوله في المسألة (٤)، وكان له -﵀- دور إيجابي في هذه المحن، من الثبات على الحق وتحويل جو المحنة إلى خدمة المبدأ الذي يدعو إليه (٥).