أخص وصفه القدم (١)، ومقصود المعتزلة أن لا يثبتوا له صفة قديمة لامتناع المشاركة في أخص وصفه، ومقصود أولئك المثبتين أن لا يشركه غيره في الخلق، وقد يقولون: لا يشركه غيره في الفعل؛ وهو قول من يقول: العبد فاعل مجازًا لا حقيقة وهو كاسب حقيقة، كما هو قول الأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وهو في الأصل قول جهم بن صفوان (٢)، وهو أول من عُرِفَ في الإسلام أنه قال: إن العبد ليس بفاعل.
لكن جمهور أهل السنة (٣) من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون: إنه فاعل حقيقة؛ وجمهور هؤلاء يقولون: إن فعله مفعول للرب بناءً على أن الخلق غير المخلوق، كما هو قول الأكثرين وهو مذهب السلف وأهل الحديث والفقهاء.
وأما من قال: إن الفعل هو المفعول وأن فعل العبد فعل الرب، ولم يفرق بين الفعل والمفعول (٤) فيلزمه لوازم تبطل قوله كما قد بسط في غير
_________________
(١) (القدم) سقطت من (د).
(٢) هو: أبو محرز جهم بن صفوان الراسبي، مولاه السمرقندي، رأس الجهمية، أنكر الصفات، وقال بخلق القرآن، وقال بالإرجاء والجبر، وقد زرع شرًا عظيمًا. قتل سنة ١٢٨ هـ في آخر دولة بني أمية. انظر: خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل للبخاري ص ٩، والتنبيه والرد للملطي ص ١١٣، والسير ٦/ ٢٦ ترجمة رقم ٨.
(٣) أهل السنة: يراد بلفظ أهل السنة أحد معنيين: أ- المعنى الأعم: ويراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة. ب- المعنى الأخص: ويراد به أهل الحديث والسنة المحضة وأهل الأثر فلا يدخل إلا من أثبت صفات الله -تعالى- ويقول: القرآن غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة. قلت: فيخرج الأشعرية والماتريدية والصوفية والمعتزلة ومتأخرو الخوارج وغيرهم من أهل الأهواء. والثاني هو المعنى الأكثر والأشهر وهو مراد المؤلف هنا. انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم ٢/ ٢٢١، الطبعة الأولى ١٤٠٦، الناشر مؤسسة قرطبة.
(٤) مسألة: هل الخلق هو المخلوق أو غيره؟ هذه المسألة مشهورة بين المتكلمين ويطلقون عليها مسألة التكوين، ويعرِّفونها بأنها المعنى الذي يعبر عنه بالفعل والخلق والتخليق والإيجاد والإحداث والاختراع ونحو ذلك. =
[ ١٢٨ ]
هذا الموضع (١).
_________________
(١) = بيان ذلك: أنه إذا كان من المتفق عليه بين جميع الطوائف أن الله -تعالى- هو الذي خلق السموات والأرض، كما اتفقوا على أن هذه المخلوقات وجدت منفصلة عنه، إلا أنهم اختلفوا في أنه تعالى لما خلقها هل قامت به صفة الخلق، أو أن الخلق هو نفس المخلوق من غير أن تقوم به صفة؟ فهذه المسألة سبب في الخلاف في الصفات الفعلية أو الاختيارية، وارتباطها بها قوي جدًا. فإنه من المعلوم أن السموات والأرض أو غيرهما من المخلوقات ليست مخلوقة منذ الأزل، بل هي حادثة، فحين خلقها الله لا بد أن تكون قد تجددت له صفة لم تكن موجودة من قبل، فبخلقه للسماء قامت به صفة الخلق لها لأن السماء لم تكن مخلوقة من قبل، ومعنى ذلك -حسب تعبير أهل الكلام- أن الله حلت به الحوادث التي لم تكن موجودة من قبل. فالذين ينفون الصفات الفعلية وحلول الحوادث قالوا بأن الخلق هو المخلوق والفعل هو المفعول، ومعنى ذلك صفة الخلق أو الفعل لا تقوم بالله -تعالى- ويفسرون أفعاله تعالى أن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته، بل حاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة نسبة وهي أمر عدمي لا وجودي، وهذا هو مذهب الأشاعرة ومن وافقهم، وسبب التزامهم هذا القول دليلهم على حدوث العالم. أما جمهور أهل السنة ومن تابعهم كالكرَّامية والصوفية والماتريدية وبعض المعتزلة -كل طائفة بحسب أصولها- فيقولون: إن الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول، فيثبتون صفة الخلق والفعل قائمة بالله، ويقولون بوجود المخلوق والمفعول المنفصل عن الله -تعالى-، ومعلوم أن أهل السنة يثبتون صفات الفعل لله -تعالى- وأنها تتعلق بميشئته وإرادته وقدرته وحكمته، فإذا اقتضت حكمته فعلُها فَعَلها وإن اقتضت حكمته أن لا يفعلها لم تكن، فهي قديمة النوع أو الجنس وإن كانت أحاده توجد شيئًا فشيئًا حينًا وآخر. ورد أهل السنة دعوى الأشاعرة أن القول بأن الخلق هو المخلوق يستلزم التسلسل وهذا ممتنع، بأن التسلسل ليس تسلسلًا في الفاعلين والعلل الفاعلة، وإنما هو تسلسل في الآثار، وهو حصول الشيء بعد شيء، والسلف على إثباته، وهذا عمدة أدلة الأشاعرة، وسيعود المؤلف إلى الكلام عن هذه المسألة بعد صفحات قليلة ص ١٤٦. وللتوسع. انظر: خلق أفعال العباد للبخاري ص ١١٢ ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/ ١٤٩، ٢٢٩ - ٢٣٠، ٢٩٨ والملل والنحل ١/ ١٠٨، ولوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية للعلامة محمد السفاريني ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣ الطبعة الثالثة ١٤١١ هـ، الناشر المكتب الإسلامي- بيروت لبنان، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة، تأليف د. عبد الرحمن المحمود ٣/ ١٢٠٤ - ١٢٠٧.
(٢) بسط المؤلف هذا الموضوع في عدة مواضع من كتبه منها: درء تعارض العقل والنقل، تحقيق د. محمد رشاد سالم ٢/ ٢٦٤ - ٢٧٠، ٤/ ٦٠، ٥٩/ ٥٧٩، طبعة دار الكنوز الأدبية. =
[ ١٢٩ ]