حديث الأعمى رواه الترمذي والنسائي والإمام أحمد وصححه الترمذي ولفظه: أن النبي - ﷺ - علّم رجلًا فيقول: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي فشفّعه فيّ"، وروى النسائي نحوه. وفي الترمذي وابن ماجه عن عثمان بن حنيف أن رجلًا ضريرًا أتى إلى النبي - ﷺ - فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: "إن شئتَ دعوتُ وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك"، فقال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء، فذكر نحوه، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف ولفظه: أن رجلًا أعمى قال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري، قال: فانطلِق فتوضأ ثم صلي ركعتين ثم قل (١): "اللهم إني أسالك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة،
_________________
(١) في (ط) قال، والتصحيح من التيمورية.
[ ١٠٦ ]
يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري، اللهم فشفّعه فيّ"، فرجع وقد كشف الله بصره.
وقال أحمد في مسنده: حدثنا روح، حدّثنا شعبة عن عمير بن يزيد الخطمي المديني قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلًا ضريرًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا نبي الله ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت أخّرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت لك"، قال: بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضأ وأن يدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم فشفعني فيه وشفعه فيّ"، قال: ففعل الرجل فبرأ، فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء، فمن الناس من يقول: هذا يقتضي جواز التوسل به مطلقًا حيًا وميتًا، وهذا يستدل به من توسل بذاته بعد موته وفي مغيبه، ويظنون أن توسل الأعمى والصحابة به في حياته كان بمعنى الإقسام به على ربه؛ أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته ولا يحتاج هو أن يدعو لهم ولا إلى أن يطيعوه، ويظنون أن كل من توسل بالرسول كما توسل به ذلك الأعمى مشروع له.
وقول هؤلاء باطل شرعًا وقدَرًا، فلا هم موافقون لشرع الله ولا ما يقولونه مطابق لخلق الله، ومنهم من يقول هذه قضية عين فيثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في مناط الحكم، لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها، والفرق ثابت شرعًا وقدرًا بين من دعا له النبي - ﷺ - وبين من لم يدع له، فلا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر، وهذا الأعمى شفع له النبي - ﷺ - ولهذا قال في دعائه: "اللهم فشفعه فيّ" فعلم أنه شفع فيه، وكذلك قوله: "إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك"، فقال: ادع لي فدعا له، وقد أمره أن يصلي ويدعو لنفسه أيضًا، فحصل الدعاء من الجهتين، وكذلك قول عمر في استسقائه بالعباس.
فالنبي - ﷺ - علَّم رجلًا أن يتوسل به في حياته؛ كما ذكر عمر أنهم يتوسلون به إذا أجدبوا، ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلًا عنه، فلو كان التوسل به حيًا وميتًا سواء؛ والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن
[ ١٠٧ ]
لم يدع له؛ لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وأقربهم وسيلة إليه، وكذلك لو كان كل أعمى توسل به وإن لم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، ولو أن كل أعمى دعا بدعاء ذلك الأعمى وفعل كما فعل من الوضوء والصلاة بعد موت النبي - ﷺ - إلى زماننا هذا لم يوجد على وجه الأرض أعمى، فعدول عمر والصحابة عن هذا إلى هذا وما يشرع من الدعاء وينفع عما لا يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير الخير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه، ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه.
وحديث الأعمى إنما ظهر بسبب كلامنا، ومن جهة أصحابنا اتصل علمه إلى هؤلاء المبتدعة، فإن الفقيه أبا محمد بن عبد السلام لم يقف على هذا الحديث ولم يعرف صحته، فإنه علق الجواب بجواز التوسل به - ﷺ - على صحته فكأنه لم يصح عنده إما لعدم علمه بتصحيح الترمذي له أو أنه اطلع فيه على قادح معارض، ولولا الإطالة لتكلمنا على ذلك فنحن لا حاجة بنا إلى شيء من ذلك، فإنا بالحديث عاملون وله موافقون وبه عالمون، والحديث ليس فيه إلا أنه طلب من الله ﷿ ولم يطلبها من مخلوق، ونحن إلى الله -تعالى- نرغب وإياه نسأل، فهو المدعو المسؤول كما أنه المعبود المستعان، لا نشرك به شيئًا (١).