لو قال القائل: سؤال الغائب حيًا وميتًا كسؤال الشاهد، فإن الأنبياء والأولياء يسمعون خطاب الغائب البعيد ويسمع أحدهم خطاب الناس البعيدين عنه.
قلنا: هذا محال في العادة المعروفة، وإذا وقع ذلك في بعض الصور كان من باب خرق العادة، والعادة قد تخرق بأن يسمع الأدنى خطاب الأعلى، كما
_________________
(١) انظر: تخريج الحديث ص ٢٥٧.
[ ١٠٨ ]
سمع سارية خطاب عمر: "يا سارية الجبل، يا سارية الجبل"، ويجوز خرق العادة بالعكس، لكن إثبات هذا في حق معين لا يكون إلا بحجة تدل على وقوع ذلك في حقه.
فإن قال: إن النبي - ﷺ - يسمع الخطاب البعيد والقريب، قيل: ليس في هذا الحديث المعروف ما يدل على التسوية بين القريب والبعيد في سمع خطابه بل الحديث يدل على نقيض ذلك، ففي السنن حديث أوس بن أوس الذي رواه أبو داود وغيره ورواه ابن حبان في صحيحه والدارقطني في سننه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، وفيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علّي، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمت (قال: يقولون بليت)، قال: إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (١).
والحديث الذي رواه أحمد في مسنده وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلّوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاكم تبلغني" (٢)، والحديث الذي رواه النسائي وابن حبان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام" (٣)، وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن موسى بن محمد بن حبان عن أبي بكر الحنفي حدثنا عبيد الله بن نافع، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن قال: سمعت الحسين بن علي يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "صلّوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا ولا تتخذوا بيتي عيدًا، صلوا عليّ وسلموا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في (كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة)، ١/ ٢٧٥ رقم ١٠٤٧ ت. محمد محيي الدين عبد الحميد، والنسائي في كتاب الجمعة، باب إكثار الصلاة على النبي - ﷺ - يوم الجمعة ٣/ ١٩ رقم ١٣٧٢، صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ٣٢ رقم ١٥٢٧. وانظر: الصارم المنكي في الرد على السبكي، لابن عبد الهادي ت. السلفي ص ١٥٨ - ١٥٩.
(٢) انظر: تخريج الحديث ص ٢٢٨.
(٣) أخرجه النسائي في (كتاب السهو، باب السلام على النبي - ﷺ -) ٣/ ٤٣ رقم ١٢٨٠، والإمام أحمد في المسند ١/ ٤٤١ وغيرهم. وصححه ابن عبد الهادي في الصارم المنكي ص ٢٠٢.
[ ١٠٩ ]
فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم" (١).
وروى الروياني في مسنده والبزار وغيرهما عن نعيم بن ضمضم عن عمران بن الحميري قال: قال لي عمار بن ياسر: قال نبي الله - ﷺ -: "يا عمار إن لله ملكًا أعطاه الله أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت إلى يوم القيامة فلا يصلي عليّ أحد صلاة إلا سماه باسمه واسم أبيه فقال: صلى عليك فلان كذا وكذا، فيصلي الرب على ذلك المصلي بكل واحدة عشرًا" (٢)، وقال أبو أحمد الزبيري: حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال: "ليس أحد من أمة محمد - ﷺ - يصلي عليه صلاة إلا وهي تبلغه يقول له الملك: فلان يصلي عليك كذا وكذا صلاة" (٣).
وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن [الحارث] (٤) عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أكثروا علي الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لا يصلي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ"، قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، فهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة والسلام يعرضان عليه، وأن ذلك يصل حيثما كنا، وفي سنن
_________________
(١) انظر: تخريج الحديث ص ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٢) أخرجه البزار في مسنده كما في مختصر زوائد مسند البزار لابن حجر ت. صبري عبد الخالق ٢/ ٤٣٦ رقم ٢١٦٤ و٢١٦٥، وقال: لا نعلمه يُروى عن عمار إلا بهذا الإسناد. الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ الناشر مؤسسة الكتب الثقافية. وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال في ترجمة عمران ٥/ ٩٣ رقم ٣٠٦/ ١٢٧٣ وقال: "لا يتبع عليه". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٦٢: "رواه الطبراني ونعيم بن ضمضم ضعيف، وابن الحميري اسمه عمران، قال البخاري: لا يتابع على حديثه، وقال صاحب الميزان: لا يعرف وبقيه رجاله رجال الصحيح".
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢/ ٢١٨ رقم ٥٨٤ ت/ محمد السعيد زغلول الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ، الناشر دار الكتب العلمية بيروت، وابن عدي في الكامل في ترجمة أبي يحيى القتات ٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩ رقم ٤٤/ ٧٢٩، وقال في آخر ترجمته: "وفي حديثه بعض ما فيه إلا إنه يكتب حديثه".
(٤) كذا في سنن ابن ماجه ١/ ٣٠٠، وفي الأصل (الحرث).
[ ١١٠ ]
أبي داود عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇" (١)، وهذا الحديث هو الذي اعتمد عليه العلماء كأحمد وأبي داود وغيرهما في السلام عليه عند قبره وزيارة قبره، إذ لم يكن معهم سند يستندون إليه في زيارة قبره إلا هذا الحديث، والأحاديث التي رويت في زيارة قبره ضعيفة بل موضوعة، وأكثرها وضعت بعد الإمام أحمد وأمثاله.
فهذه النصوص التي ذكرناها تدل على أنه يسمع سلام القريب ويبلَّغ سلام البعيد وصلاته، لا أنه يسمع ذلك المصلي والمسلِّم، وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة فإنه لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته بطريق الأولى والأحرى، والنص إنما يدل على أن الملائكة تبلغه الصلاة والسلام، ولم يدل على أنه يبلغه غير ذلك.
والحديث الذي فيه: "ما من رجل يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أرد ﵇"، فهمَ العلماء منه السلام عند قبره خاصة فلا يدل على البعيد، فإن السنة إذا زار الرجل القبور مطلقًا أن يسلم عليهم ويدعو لهم، وكان النبي - ﷺ - يخرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم.
وقد بسط الشيخ الكلام في هذا الموضع بسطًا طويلًا ومقصوده توحيد الله سبحانه، وطلب الحوائج منه والذب عن حومة الإخلاص وأن لا يسأل إلا الله.