وقوله: (لقد خشيت على كثير من أهل الإقليم بسبب تقاعدهم عن نصرة الرسول - ﷺ - بإهلاكه وإهلاك أمثاله خصوصًا أهل الدولة وأصحاب الحكم إلى آخره).
جواب ابن تيمية: فيقال: كنت قد أجبت على كلامه إلي هذا الموضع واتفقت أمور شغلت عن تمام ذلك حتى أنزل الله بأسه بهذا الجاهل الظالم
_________________
(١) أخرجه مسلم في "كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" ١/ ٩٤ رقم ٩٣ ولفظه: " لا يشرك بالله "، وأخرج مسلم الشطر الأول في "كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة مطلقًا ١/ ٥٥ رقم ٢٦ بلفظه.
[ ١١٦ ]
وحزبه الجاهليق الظالمين، وكانوا في ذلك نظير المستفتحين من المشركين، وهذا الوعيد الذي ذكره في كلامه به وبأحزابه أليق وهم به أحق، وهكذا فعل الله -تعالى- بهم حيث عاقبه وحزبه عقوبة المعتدين الظالمين، عقوبة لم يعاقب بها أحدًا من أشكالهم، وهؤلاء مضاهون للمشركين الذين ناظروا إمام الحنفاء -إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه- كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٨٣]، فإنهم خوَّفوا إبراهبم بما عبدوه من دون الله فقال لهم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ فإنه ليس للمؤمن أن يخاف إلا الله، فلا يستحق ملك مقرب ولا نبي مرسل أن يُخشى ويُتقى، كما لا يستحق أن يصلى له ويصام، بل هذا كله لا يصلح إلا لله وحده لا إِله إلا هو، ثم قال الخليل: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ وهذا استثناء منقطع، أي: لكن إن شاء ربي شيئًا كان، فأنا أخاف ربي.
ثم قال: وكيف أخاف ما أشركتم مكان المخلوقات؟ وأنتم لا تخافون إشراككم بالله ما لم ينزل به سلطانًا، يقولا: فكيف لا تخافون أنكم عبدتم غير الله بغير سلطان من الله، وهكذا يقول أتباع إبراهيم الخليل الذين هم على ملته لمن خرج عنها من أشباه النصارى وغيرهم: كيف نخاف ما أشركتموه ودعوتموه من دون الله كائنًا من كان سواء كان ملكًا أو نبيًا أو شيخًا أو غيره؟ وأنتم لا تخافون الله حيث دعوتم غيره بغير سلطان من الله، فإن هذا الذي تفعلونه بدعة لم يأمركم الله بها ولا رسوله وفيها من الشرك ما فيها!! ولو لم يكن فيها شرك فكيف يسوغ لكم أن تشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله؟ ومعلوم أن من شرع عبادة يتقرب بها إلى الله ويجعلها وسيلة له إلى الله يرجو عليها ثواب الله إما واجبة أو مستحبة؛ فلا بد أن يكون من الدين الذي شرعه الله وأمر به، وإلا كان حظ صاحبها الإبعاد والطرد، ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع.