آذى البكري شيخ الإسلام ابن تيمية بالقول والعمل، أما القول فقد رماه بالزندقة، قال: (إن المجيب -أي ابن تيمية- لا يثبت على تأويل، وإنما يذهب إليه عند الخوف زندقة منه على ما علمته)، وأحيانًا يصل إلى حد التكفير (١).
واستعدى السلطان في عصره على شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (لقد خشيت على كثير من أهل الإقليم بسبب تقاعدهم عن نصرة الرسول - ﷺ - بإهلاكة وإهلاك أمثاله خصوصًا أهل الدولة وأصحاب الحكم) (٢).
ولكن جعل الله كيده في نحره وسلط الله السلطان عليه، وسلم الله أهل العلم والإيمان.
وأما بالعمل فقد كان من أشد الصوفية على شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي محنته معهم عام ٧٠٧ هـ عندما ادعوا عليه أنه يمنع الاستغاثة بالنبي - ﷺ -، فقال بعض الحاضرين: [يعزر]، قال البكري: "لا معنى لهذا القول، فإنه إن كان تنقيصًا يقتل، وإن لم يكن تنقيصًا [لا يعزر] " (٣).
وفي رجب، وقيل شعبان سنة ٧١١ هـ تعصب على شيخ الإسلام ابن تيمية جماعة من الغوغاء معهم البكري نور الدين وتفردوا به وضربوه، وقد استفرد البكري بالشيخ ووثب عليه، ونتش أطواقه (٤) وقال: "احضر معي إلى
_________________
(١) انظر: ص ٣٨٨ من أصل الكتاب.
(٢) تلخيص الاستغاثة ص ١٤٢.
(٣) الدرر الكامنة ١/ ١٥٥، وفي الأصل يعذر، وبالهامش صوابه يعزر، وقد انفرد بذكر هذا الموقف للبكري ابن حجر في الدرر الكامنة.
(٤) أطواق مفردها الطَّاق، وهو نوع من الملابس وهو الطيلسان، وقيل: الطيلسان =
[ ٣٤ ]
الشرع، فلي عليك دعوى"، فلما تكاثر الناس انملص، فطُلب -أي البكري- من جهة الدولة فهرب واختفى، وثار بسبب ذلك فتنة، وحضر جماعة كثيرة من الجند وغيرهم إلى الشيخ لأجل الانتصار له، فلم يجبهم، وقال: "أنا ما أنتصر لنفسي". وأكثروا عليه في القول حتى قال لهم: "إما أن يكون الحق لي، أو لكم أو لله، فإن كان الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني؛ وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء ومتى شاء"، ولما طلبت الدولة البكري هرب واختفى عند شيخ الإسلام ابن تيمية لما كان مقيمًا في مصر حتى شفع فيه عند السلطان وعفى عنه (١).
فانظر نبل موقف ابن تيمية، وموقف البكري منه، قابل العفو والصفح بالظلم والعدوان، والشفاعة له باستعداء الدولة والسلطان.