في النصف من المحرم سنة ٧١٤ هـ بلغ البكري أن النصارى قد استعاروا من قناديل جامع عمرو بن العاص بمصر شيئًا؛ وعلقوه في كنيسة، فأخذ معه طائفة كبيرة من الناس وهجم على الكنيسة والنصارى في المجمع ونكل بهم؛ وبلغ منهم مبلغًا عظيمًا، وعاد إلى الجامع وأهان قوّمته وأكثر الوقيعة في خطيب الجامع، فبلغ السلطان فأمر بإحضار القضاة وفيهم ابن الوكيل (٢)؛ وأحضر البكري فتكلم ووعظ وذكر آيات من القرآن وأحاديث، واتفق أنه أغلظ في العبارة للسلطان، ثم قال: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (٣)
_________________
(١) = الأخضر. انظر: لسان العرب لابن منظور ١٠/ ٢٣٣ كلمة طوق، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ الناشر دار صادر بيروت - لبنان.
(٢) انظر: البدابة والنهاية ١٤/ ٧٦ والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/ ٤٠٠ والعقود الدرية ص ٢٨٦ والكواكب الدرية ص ١٣٩.
(٣) هو صدر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد المعروف بابن المرحل، وبابن الوكيل، شيخ الشافعية في زمانه، كان ينصب العداوة لابن تيمية، توفي سنة ٧١٦ هـ، انظر: ذيول العبر في خبر من غبر للذهبي ٤/ ٤٥ والبداية والنهاية لابن كثير ١٤/ ٨٧ - ٨٨.
(٤) أخرجه أبو داود في السنن في (كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي) ٤/ ٥١٤ رقم =
[ ٣٥ ]
فقال له السلطان -وقد اشتد غضبه-: أنا جائر؟ قال: "نعم، أنت سلطت الأقباط على المسلمين وقويت دينهم"، فلم يتمالك السلطان نفسه أن أخذ السيف وهمَّ بالقيام ليضربه، فبادر بعض الأمراء وأمسك يده، فالتفت إلى ابن مخلوف وقال: "يا قاضي يتجرأ علي هذا، ما الذى يجب عليه"، قال: "لم يقل شيئًا يوجب العقوبة"، فصاح السلطان بالبكري: اخرج عني، فقام وخرج، فقال ابن الوكيل: "ما كان ينبغي أن يغلظ ويتكلم برفق"، فأعجب السلطان، فقال ابن جماعة: "قد تجرأ وما بقي إلا أن يزاحم السلطان"، فانزعج السلطان وقال: "اقطعوا لسانه"، فبادر الأمراء ليفعلوا ذلك بالبكري، فارتعد وصاح واستغاث بالأمراء فرقّوا له؛ وألحوا على السلطان في السؤال في أمره؛ والشفاعة فيه حتى رق له، وأمر بنفيه ومنعه من الفتوى، ودخل ابن الوكيل على السلطان وهو يبكي وينتحب، فظن السلطان أنه أصابه شيء، فقال له: "خير خير"، فقال: "البكري عالم صالح (١) لكنه ناشف الدماغ"، قال: "صدقت" وسكن غضبه (٢).
وقال الذهبي: "وأراد قطع يده لفتاويه" (٣). قلت: لعل الذهبي يقصد حادثة غير هذه الحادثة، فقد انتقد شيخ الإسلام ابن تيمية فتوى للبكري في بيت المال (٤)، ولم أجد من ذكر هذه الفتوى.
_________________
(١) = ٤٣٤٤ عناية د. بدر الدين جنتن آر الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ، الناشر دار سحنون - تونس، والترمذي في الجامع في (كتاب الفتن، باب ما جاء أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) ٤/ ٤٧١ رقم ٢١٧٤ ولفظهما: " كلمة عدل "، قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. أ. هـ. عناية د. بدر الدين جنتين آر الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ، الناشر دار سحنون - تونس، وابن ماجه في السنن في (أبواب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢/ ٣٨٣ رقم ٤٠٦٠ ورقم ٤٠٦١ تحقيق د. محمد الأعظمي، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ الناشر شركة الطباعة العربية السعودية الرياض - السعودية، والإمام أحمد في المسند ٣/ ١٩، ٤/ ٣١٤، ٣١٥ واللفظ له، عناية د. بدر الدين جنتن آر الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ، الناشر دار سحنون - تونس وصححه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته ١/ ٢٤٨ رقم ١١٠٠ أشرف على طبعه زهير الشاويش الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ الناشر المكتب الإسلامي بيروت - لبنان.
(٢) هذا وصف ابن الوكيل للبكري.
(٣) الدرر الكامنة ١/ ١٥٧.
(٤) ذيول العبر ٤/ ٧٠.
(٥) انظر: ص ٣٩٤ من هذا الكتاب.
[ ٣٦ ]
وقد كتب ابن تيمية في الرد على البكري ثم شغل عن إكمال الرد عليه؛ حتى حصل له هذا الموقف للبكري مع السلطان؛ يقول ابن تيمية: "كنت قد أجبت عن كلامه إلى هذا الموضع، واتفقت أمور شغلتني عن تمام ذلك حتى أنزل الله بأسه بهذا الجاهل الظالم وحزبه الجاهلين الظالمين، وكانوا في ذلك نظير المستفتحين من المشركين، وهذا الوعيد الذي ذكره في كلامه به وبأحزابه أليق؛ وهم به أحق، وهكذا فعل الله -تعالى- بهم حيث عاقبه وحزبه عقوبة المعتدين الظالمين، عقوبة لم يعاقب بها أحدًا من أشكالهم" (١).
من هذه المواقف يظهر جليًا أن البكري اتصف بالحدة والغلظة مع كل من خالفه، وبسط لسانه في الإنكار دون حكمة ودون روية، وصفه ابن حجر: "بأنه أكثر القلاقل" (٢). ومع هذا فالبكري ديّنٌ متعفف طارح للتجمل.