وفي المأثور عن الأنبياء المتقدمين ما يدل على أن ذلك لم يكن مشروعًا لهم مثل ما ذكره الحافظ أبو نعيم في "كتاب الحلية" (٣) في ترجمة أحمد بن أبي الحواري قال: حدثنا أبي، حدثنا [أحمد بن محمد بن عمر اللُّنَبانيُّ] (٤)، حدثنا الحسين يعني أبا علي الحسين بن عبد الله بن شاكر السمرقندي: سمعت عبد الله بن
_________________
(١) = عبد الرزاق، تأليف: أحمد عبد القادر الشنقيطي ط. الثانية ١٤٠٢ دار اليقين ص ٦ وما بعدها.
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصول الخطية، ولا يستقيم المعنى بدونه.
(٣) نقل البكري هذه الدعوى عن الرافضة. انظر: تفسير الحسن العسكري (ت ٢٦٠ هـ) ص ٩٠ - ٩١، نقلًا عن التفسير والمفسرون ٢/ ٩٥ - ٩٦.
(٤) ١٠/ ٩ ط الثالثة ١٤٠٠ هـ، الناشر دار الكتاب العربي بيروت.
(٥) كذا في الحلية، أحمد بن محمد ١٠/ ٩. وانظر: السير ١٥/ ٣١١، وفي (ط) و(د) أحمد يعني محمد بن عمر اللبناني.
[ ١٠٠ ]
الجلا (١) يقول: قال يوسف ﵇: "اللهم أني أتوجه إليك بصلاح آبائي إبراهيم خليلك وإسحاق ذبيحك (٢) ويعقوب إسرائيلك"، فأوحى الله إليه يا يوسف: "تتوجه إليّ بنعمة أنا أنعمت بها عليهم"، قال أحمد (٣): فقلت لأبي سليمان الداراني: كنت لبعض الأولياء قبل اليوم أشد حبًا، فقال: إنما يتقرب إليه بحب أوليائه [أولًا] (٤) ثم بعد منزلة سعد (٥) القلب، وقد ذكر بعض الناس في هذا الأثر أن الله قال له: "وأي حق لآبائك علي" (٦)، لأنه -﷾- هو الذي أنعم عليهم بالإيمان والنبوة كما قال تعالى بعد ذكره لهم وثنائه عليهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ [مريم: ٥٨] الآية، وكذلك الآية، التي في النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية، وقال في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
وأما ما استحقوه عليه فكقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، فهو سبحانه أحقه على نفسه بحكم إحسانه وفضله ووعده، لا هم أحقوه عليه؛ كالحق الذي للإنسان على من له عنده يد، ولهذا ليس لأحد أن يُدِلَّ على الله بصلاح سلفه فإنه ليس صلاحهم من عمله الذي يستحق به الجزاء؛ كأهل الغار الثلاثة فإنهم لم يتوسلوا إليه بصلاح سلفهم وإنما توسلوا إلى الله بأعمالهم لما علموا أن الله -﷾- يثيب العاملين على أعمالهم كما قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وسعي غيره ليس له كما لا تزر وازرة وزر أخرى كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩]، وإن
_________________
(١) في الحلية (الحذاء) ١٠/ ٩.
(٢) الذبيح هو إسماعيل -﵇-، وهذا الخبر من الإسرائيليات، وقد جاء فيه ما خالف ديننا فهو مكذوب، وسيأتي رد المؤلف لها وأنه احتج بها لإلزام الخصم فقط.
(٣) أي أحمد بن أبي الحواري.
(٤) كذا في الحلية ١٠/ ٩ وفي (ط) و(د) والتيمورية (أولى) ولا يستقيم المعنى.
(٥) كذا في (ط) و(د)، وفي الحلية (تشغل)، وفي التيمورية (تستعد).
(٦) وقد ذكر في موضع آخر أنه قد جاء قريب من ذلك عن داود -﵇-.
[ ١٠١ ]
كان المرء قد ينتفع بسعي غيره لكنه ليس له فلا [يمن] (١) ويدل بما ليس له (٢).
فإن كانت الإسرائيليات حجة فهذا فيه دليل، على أنه لا يسأل الله بحق الأنبياء. وإن لم تكن حجة لم يجز الاحتجاج بتلك الإسرائيليات، ثم إن توسل النبي المتقدم بالنبي الذي بعده يقتضي أن يكون أفضل منه، فيقتضي أن يتوسل نوح بإبراهيم، وداود بعيسى، وإسرائيل بموسى، ومثل هذا لو كان حقًا لكان أصلًا في العلم الصحيح، ولكن المتقدم من الأنبياء يبشر بمن يأتي بعده منهم، وليس هو مأمورًا باتباع شريعة من يأتي بعده. بل إما أن يكون مأمورًا باتباع شريعة توحى إليه أو شريعة رسول قبله، فهو مستغن عمن بعده متبع لمن قبله، فكيف يتوسل بالمتأخر؛ ولا يتوسل بالمتقدم الذي يجب عليه اتباعه؟.