الشيخ العمراني - ﵀ - أوقف حياته للعلم تعلما وتعليما وتأليفا، لهذا نجده - ﵀ - قوي العزيمة في تحصيل العلم جاد الرغبة، فيه تنقل بين بلدان اليمن طلبا للعلم.
وله تخصص بالفقه الشافعي مع المشاركة في علوم اللغة والعقيدة، وكان خاله أبو الفتوح بن عثمان بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران أول من أخذ عنه من الشيوخ، فقد أخذ عنه كتاب (كافي الفرائض في المواريث) للصردفي.
وارتحل - ﵀ - إلى ذي الحفر (^١) وقرأ كتاب (التنبيه) للشيرازي، وأخذ عن الشيخ الفقيه عبد الله بن أحمد بن محمد بن أبي عبد الله الهمداني (المهذب) وحفظه عنه و(اللمع) كلاهما لأبي إسحاق، و(الملخص) و(إرشاد ابن عبدويه)، و(كافي الفرائض) للصردفي أيضا.
ثم ارتحل إلى أحاظه (^٢) فقرأ على الشيخ زيد بن الحسن الفايشي فأعاد عنده (المهذب)، وأخذ عنه تعليق الشيخ أبي إسحاق في أصول الفقه، و(غريب الحديث) لأبي عبيد في اللغة، و(مختصر العين) للخوافي، و(نظام الغريب) للربعي وكتاب (التبصرة في أصول الدين) تصنيف أبي الفتوح على مذهب السلف، وأخذ عن خبيره (^٣) عمر بن إسماعيل الجماعي الخولاني كتابي (الكافي) للصفار في النحو و(الجمل) للزجاجي.
_________________
(١) ذى الحفر: حصن في عزلة نعيمة على مقربة من مدينة جلبة. انظر: معجم المدن اليمنية ص ١٢٥.
(٢) أحاظه: ويقال لها وحاظه تقع شمال إب وهي اليوم مزارع وأطلال. انظر: المرجع السابق ص ٤٦٠.
(٣) قال محقق كتاب طبقات فقهاء اليمن: "الخبير في اللهجة اليمانية الرفيق والصديق".
[ ١ / ١٤ ]
ولما وصل الفقيه زيد بن عبد الله اليفاعي سنة (٥١٢ هـ) إلى الجند (^١) قادما من مكة جاءه جماعة من الفقهاء ومن ضمنهم الشيخ العمراني فقرأ عليه (النكت) وهو في المسائل المختلف فيها بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة تصنيف أبي إسحاق الشيرازي، كما سمع (المنهاج) للقاضي أبي الطيب الطبري ودرس كتاب (التعليق في الخلاف) للشيخ أبي إسحاق و(التبصرة في أصول الدين) لأبي الفتوح مرة أخرى وكتبًا أخرى، وبقي عند الشيخ اليفاعي إلى أن توفي سنة (٥١٤ هـ) (^٢) فانتقل إلى سهفنة (^٣) فأخذ عن القاضي مسلم بن أبي بكر بن أحمد الصعبي كتاب (الحروف السبعة في الرد على المعتزلة وغيرهم من أهل الزيغ والبدعة) للشيخ حسين بن جعفر المراغي (^٤).
ثم انتقل إلى ذي أشرق (^٥) سنة (٥١٧ هـ) فسمع (الجامع للسنن) للترمذي على الشيخ سالم بن عبد الله بن محمد بن سالم بن عبد الله.
كما طالع بذي أشرق شروح المزني وكتبا أخرى (كالمجموع) للمحاملي و(الشامل) لابن الصباغ وكتاب (الفروع) لسليم و(شرح المولدات) للقاضي أبي الطيب و(العدة) للقاضي حسين بن علي الطبري.
وقد حج - ﵀ - وزار مسجد النبي - ﷺ- وقبر النبي - ﷺ- في المدينة سنة (٥٢١ هـ).
ولقي في مكة الفقيه الواعظ محمد بن أحمد العثماني الديباجي فتناظرا
_________________
(١) الجند: بفتح الجيم والنون بلدة تقع بالشرق الشمالي من مدينة تعز وبها أول مسجد بني في اليمن وهي اليوم بليدة صغيرة. انظر: المرجع السابق ص ٩٥.
(٢) طبقات فقهاء اليمن ص ١٥٢ - ١٥٣.
(٣) سفهنه: هي قرية شمال الجند بالقرب من القاعدة على الطريق منها إلى ذى السفال. معجم المدن اليمنية ص ٢١٨.
(٤) طبقات فقهاء اليمن ص ١٢٤.
(٥) ذي أشرق بلدة أثرية في سفح جبل التعكر بالجنوب الغربي من إب المرجع السابق ص ٢٤.
[ ١ / ١٥ ]
وتذاكرا في مسائل الفقه والأصول وكان الديباجي أشعريا فنصر العمراني - ﵀ - مذهب السلف في أن القراءة هي المقروء (^١) واحتج على الديباجي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (^٢) وأن الإشارة بهذا إلى المتلو المقروء إلى أن سكب الديباجي العرق عن وجهه.
ثم عاد - ﵀ - إلى بلده مصنعة سير وبقي فيها يصنف ويدرس إلى سنة (٥٤٩ هـ) حيث تعذر سكنى سير بسبب حروب وفتن جرت بين أهلها فانتقل إلى ذي السفال، ثم إلى ذي أشرق ومكث فيها سبع سنين وكسرا انشغل خلالها بالتدريس والإقراء والتصنيف كما سمع خلالها عام (٥٥٥ هـ) (صحيح البخاري) و(سنن أبي داود) من الشيخ الحافظ علي بن أبي بكر الهمداني.
ثم ظهر ابن مهدي الخارجي واستولى على زبيد وتهامة ثم خلفه بعد موته ابنه مهدي بن علي فأغار على الجند وبواديها، فجعل الشيخ العمراني - ﵀ - خوف ابن مهدي سبيلًا للخروج من ذي أشرق فقد كان كره البقاء فيها بسبب فتن وقعت بين فقهاء ذي أشرق وفقهاء زبيد تسببت بالتباغض والتحاسد والتكفير، فتوجه الشيخ بعد خروجه في شوال سنة (٥٥٧ هـ) إلى ضراس (^٣) ثم إلى ذي السفال واستقر بها إلى أن توفي - ﵀ - في ربيع الآخر سنة (٥٥٨ هـ) كما سبق ذكره (^٤).
_________________
(١) الصواب أن بين القراءة والمقروء فرقا لأن القراءة فعل القارئ والمقروء كلام الله عزوجل وعدم التفريق بينهما مذهب لبعض السلف لدقة الفرق وعدم تبين كثير من الناس للفرق بينهما، وسأتي توضيح ذلك عند رد المصنف على اللفظية في الفصل رقم (٩٦).
(٢) سورة الإسراء آية (٩).
(٣) ضراس: قرية من أعمال ذى السفال. انظر: معجم المدن اليمنية ص (٢٥٩).
(٤) انظر: طبقات فقهاء اليمن ص ١٧٤ - ١٨٠، طبقات الشافعية الكبرى ٧/ ٣٣٦.
[ ١ / ١٦ ]