مع ما تقدم من بيان مراتب الإيمان بالقدر فإن السلف يعتقدون أن الله عزوجل له الحجة البالغة على خلقه ويتضح ذلك بأمور:
_________________
(١) سورة النساء آية (٢٦ - ٢٧).
(٢) سورة المائدة آية (٦).
(٣) سورة الأحزاب آية (٣٣).
(٤) انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٨/ ١٨٨، ٤٧٦.
(٥) سورة الزمر آية (٦٢).
(٦) سورة الصافات آية (٩٦).
(٧) سيأتي تخريجه حيث أورده المصنف ص (٩٦).
(٨) انظر: هذه المراتب الأربع بأدلتها في شفاء العليل لابن القيم ص ٢٩ - ٤٩.
[ ١ / ٥٢ ]
١ - أن الله خلق للعباد قدرة وإرادة ومشيئة وفعلا، فبالقدرة يستطيعون القيام بالتكاليف المناطة بهم، وبالإرادة والمشيئة يصح توجيه الخطاب إليهم بالأوامر والنواهي.
وعلى الفعل يقع الجزاء على الخير خيرا وعلى الشر شرا، إلا أن يعفو الله جل وعلا فأثبت السلف ﵏: أن الله له مع ما تقدم من تقديره السابق الحجة البالغة على خلقه بأن خلقهم على الهيئة الصالحة للتكليف والخلقة المناسبة لمخاطبتهم بالأوامر والنواهي (^١) وقد دل على ذلك الأدلة. قال عزوجل: في إثبات القدرة للعبد: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (^٢) ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ (^٣) ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (^٤).
وفي إثبات المشيئة والإرادة للعبد قال عزوجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^٥) ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (^٦) ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (^٧) ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (^٨) ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَة فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (^٩) ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (^١٠).
وقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْم﴾ (^١١) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ (^١٢) ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْن﴾ (^١٣) ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
_________________
(١) الفتاوى ٨/ ٣٩٣ - ٤٥٩، شرح الطحاوية ص ٤٨٨.
(٢) سورة البلد آية (٨، ٩، ١٠).
(٣) سورة الأعلى آية (٢).
(٤) سورة الروم آية (٥٤).
(٥) سورة الإنسان آية (٣٠).
(٦) سورة التكوير آية (٢٨).
(٧) سورة الفرقان آية (٥٧).
(٨) سورة المدثر آية (٣٧).
(٩) سورة المدثر آية (٥٤ - ٥٥).
(١٠) سورة الكهف آية (٧٧).
(١١) سورة الحج آية (٢٥).
(١٢) سورة هود آية (١٥).
(١٣) سورة القصص آية (٢٧).
[ ١ / ٥٣ ]
وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^١) ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (^٢).
إلى غير ذلك من الآيات المثبتة أن للعبد إرادة.
وقال عزوجل إثبات الفعل للعبد ومؤاخذته بفعله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (^٣) ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٤) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (^٥) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (^٦) ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (^٧) وفي إثبات القدرة والمشيئة والإرادة والفعل للعبد كما أنه ظاهر من الشرع فهو ظاهر من حال الإنسان، حيث يدرك ذلك تمام الإدراك من حاله وأحواله مع الأمور في الأخذ أو الترك والفعل أو عدمه والإرادة وعدمها، ومن أنكر ذلك فقد أنكر أظهر الأمور وأوضحها وأجلاها، فالسلف يثبتون هذه الأمور مع إثباتهم للقدر بمراتبه الأربع المتقدم ذكرها، فتكون قدرة العبد هي من إقدار الله عزوجل له، وإرادته ومشيئته تابعة لمشيئة الله وإرادته لا يخرج عنها، كما قال عزوجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
وكذلك فعل العبد إنما وقع بإقدار الله له على هذا الفعل ومشيئته وخلقه جل وعلا لفعل العبد على ما تقدم بيانه في خلق الأعمال.
٢ - إرسال الرسل وإنزال الكتب والشرائع وترتيب الجزاء عليه.
يعتقد السلف أن الله عزوجل مع خلقه للعباد الإرادة والمشيئة والقدرة على الفعل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، فدعوا العباد إلى الله عزوجل ووضحوا وبينوا طريق النجاة والفلاح، وجاهدوا في الله حق
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (٢٩).
(٢) سورة الروم آية (٣٩).
(٣) سورة المدثر آية (٣٨).
(٤) سورة الأعراف آية (٤٣).
(٥) سورة النحل آية (٩١).
(٦) سورة الطلاق آية (٢).
(٧) سورة النساء آية (٩٣).
[ ١ / ٥٤ ]
جهاده حتى يحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة وتقوم الحجة على الخلق بالتكليف، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (^١) (^٢)
٣ - عدم التكليف بما لا يطاق.
يعتقد السلف مع ما تقدم أن الله من فضله ورحمته بخلقه لم يكلفهم إلا ما هو في طاقتهم، فلم يكلفهم ما يشق ويثقل عليهم فعله وإن كانوا مستطيعين لذلك رحمة منه وتفضلا قال جل وعلا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (^٣) ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (^٤) قال ابن جرير: "يعني بذلك فيتعبدها إلا بما يسعها فلا يضيق عليها ولا يجهدها" (^٥)
وهو تحقيق لقوله عزوجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٦) ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ (^٧) (^٨).