الثاني: قال: هذا من أخبار الآحاد فلا يستدل به في الأصول.
الثالث: قال: هو عام فيكون مخصوصًا بما قدمنا.
والجواب عن اعتراضه على السند أن يقال: هو مذكور في الصحاح التي اتفق أئمة الأعصار على الاحتجاج بالمذكور فيها ورواه أبو عبيد القاسم ابن سلام (^١) في غريب الحديث (^٢) عن حذيفة بن اليمان ﵁ (^٣).
وأما الجواب عن قوله إنه من أخبار الآحاد فإن هذا مما تلقته الأمة بالقبول
_________________
(١) أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي اللغوي الفقيه صاحب المصنفات. قال إسحاق بن راهويه: "الله يحب الحق أبو عبيد أعلم مني وأفقه"، وقال: "نحن نحتاج إلى أبي عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا". توفي - ﵀ - سنة (٢٢٤ هـ) بمكة. انظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣، تذكرة الحفاظ ٢/ ٤١٧.
(٢) غريب الحديث لأبي عبيد مدحه العلماء والأئمة، فروى الخطيب عن الإمام أحمد أنه استحسن الكتاب وقال: "جزاه الله خيرًا"، وقال عبد الله بن طاهر حين عرض عليه الكتاب: "إن عقلًا بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب لحقيق أن لا يحوج إلى طلب المعاش". وقال أبو عبيد عن كتابه: "كنت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في موضعها من الكتاب فأبيت ساهرًا فرحًا مني بتلك الفائدة". انظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٥ - ٤٠٧. وقد طبع الكتاب في أربعة مجلدات بمطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند. وجعل في آخره فهرسًا لغريب اللغة، والجدير بالذكر أن النسخة التي عليها في طبع الكتاب منسوخة عن نسخة رويت عمن قرأها على أبي الطيب طاهر بن يحيى بن أبي الخير العمراني المتوفى سنة (٥٨٧ هـ) الذي قرأها مررًا على أبيه الشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني ﵀. انظر: مقدمة كتاب غريب الحديث ص ١.
(٣) غريب الحديث لأبي عبيد ٤/ ١٢٧، وأخرجه أيضا البخاري في خلق أفعال العباد ص ١٧، واستدل أبو عبيد - ﵀ - بهذا الأثر على خلق الأعمال وأيده بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقال: ألا ترى انهم كانوا ينحتون الأصنام ويعملونها بأيديهم ثم قال لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
[ ١ / ١٩١ ]
ويوافق ظاهر القرآن فجرى مجرى أخبار التواتر، وعلى أنه إذا جاز الاستدلال بأخبار الآحاد في جلد الإنسان وضرب الرقاب وتحليل الفروج وتحريمها جاز الاستدلال بها في الأصول (^١).
وأما الجواب عن قوله إنه عام فيكون مخصوصًا بما قدمناه: فإن هذا جهل من المخالف بصيغة العموم والخصوص وكيفية الاستدلال بهما، وذلك أنا لا ننكر أن قول النبي - ﷺ- "إن الله صانع كل صنعة" عام في جميع الصفات والأعمال في الخير والشر، وعلى مذهب هذا المخالف أن الله لم يصنع شيئًا من الصنع الموجودة من العباد لا في الخير ولا في الشر فيحمل عليه الخبر، وقد اعترض هذا المخالف على قولي: "فأخبر أنه خلق نفس أعمالهم كما أخبر أنه يجازيهم على نفس أعمالهم بقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٢). وقال: "هذا دليل على المستدل بأن الجزاء من الله هذا لا يكون إلا على شيء أتواهم به فأما ما خلقه الله فلا يجازون به".
والجواب عن هذا أن يقال له: هذا شرح لمذهبك فهو غير مسلم، ونحن
_________________
(١) هذا هو المذهب الحق في أخبار الآحاد وهي أنها تفيد العلم إذا تلقتها الأمة بالقبول عملًا وتصديقًا لها، وهو قول جمهور العلماء، بل نقل ابن عبد البر عليه الإجماع، وخالف في ذلك طائفة تابعوا بعض أهل الكلام. ومتى أفادت العلم وجب قبولها في العقائد وغيرها إذ لا فرق بين الاستدلال بها على الحدود وسائر الأحكام الشرعية وبين الأمور الاعتقادية مثل صفات الله جل وعلا وأشراط الساعة والقيامة والحساب والجنة والنار وغيرها، وقد جعل المتكلمون سواء في ذلك المعتزلة ومن تابعهم من الأشاعرة وغيره هذا أصلًا في رد أحاديث الصفات وما خالف قواعدهم العقلية أعني قولهم في كل خبر أرادوا رده وإبطاله "هذا حديث أحاد لا تثبت به العقائد"، وقد رد ابن القيم - ﵀ - هذا الكلام وأبطله في كتابه مختصر الصواعق المرسلة وأبان أنه لا فرق بين قبول خبر الواحد في الاعتقاد أو الأحكام الشرعية. انظر: مجموع الفتاوى ٣٣/ ٣٥١، مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٣٦٢ - ٣٧٠، ٤٠٦ - ٤١٢. شرح الكوكب المنير ص ٢٦٤ - ٢٦٥، وشرح الطحاوية ص ٣٩٩، مذكرة أصول الفقه على روضة الناضر/ للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص ١٠٤ - ١٠٥.
(٢) السجدة آية (١٧).
[ ١ / ١٩٢ ]
نقول: إن الثواب والعقاب من الله على اكتسابهم لأعمالهم في الخير الذي وفقهم لاكتسابه وفي الشر الذي لم يتفضل عليهم بالتوفيق بضدها.
وأما قوله: لا يجازيهم بما خلقه فيهم فينتقض بما خلق فيهم من زيادة الهداية وزيادة الضلال عند هذا المخالف بأنه يجازيهم على ذلك في الآخرة على قول المخالف وإن كان ذلك من خلقه (^١).
استدل المخالف على صحة تأويله في الآية بمسألة فقهية فقال: لو كان لرجل عبد مستأجر على نسج ثوب فقال: أنا مالك لهذا الغلام ولما يعمل فإن الذي يسبق إلى أفهام السامعين أنه أراد مالك لهذا العبد ولهذا الثوب الذي يعمله.
والجواب أن يقال له: سلكت في هذا طريقًا متوعرًا عليك لجهلك به فيوشك أن تبقى منقطعًا فيه، فأنت إذًا المراد بقول الشاعر:
دع المكارم لا تنهض لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي (^٢)
ثم بقال له: أما قول القائل هذا العبد الناسج وما يعمله ملك لي فإنه خبر والخبر: ما دخله الصدق أو الكذب ولا يتعلق بقول هذا حكم إلا معرفة صدقه أو كذبه، وقوله وما يعمل هو كقوله وعمله، (وعمله) (^٣) حقيقة هو حركته بعمل الثوب في النسج فيكون منصرفًا إليه ولا ينصرف إلى الثوب إلا بتفسير منه أنه أراده (^٤) فيكون معمولًا له مجازًا على ما مضى (^٥).
_________________
(١) سيأتي زيادة إيضاح لذلك حيث عقد فصلًا خاصًا في مسألة الهدى والضلال. انظر: فصل رقم (٤٤) وما بعده.
(٢) هذا البيت للحطيئة من قصيدة يهجو بها الزبرقان بن بدر. انظر: ديوان الحطيئة ص ٥.
(٣) في الأصل هكذا (وعمله حقيقه) فأضفت (وعمله) الثانية لأنه لا يتضح الكلام بدونها.
(٤) هذا ينطبق على ما ذكر العمراني وهو قوله: (العبد الناسج وما يعمله ملك لي) أما قول الزيدي: "لو كان لرجل عبد مستأجر … " الخ فلا ينطبق عليه هذا الكلام لأن الثوب ملك للمستأجر وليس لسيد الغلام فلا يصح له أن يستثنيه.
(٥) انظر: ما مضى ص ٢٤١.
[ ١ / ١٩٣ ]