٩ - فصل
ومما خالفت به القدرية والمعتزلة الكتاب والسنة وأهل الحديث وركبت العناد فيه أن قالوا: ليس لله حياة ولا إرادة ولا قوة ولا سمع ولا بصر ولا كلام وردوا ما جاء به القرآن من إثبات الوجه واليدين لله (^١).
قال هذا الرجل بخطبة دامغه المنقلب عليه: استغنى الله بذاته عن كل مجهول من الأشياء ومعروف (^٢) لا يحتاج في الاتصاف بأوصاف الكمال والاستحقاق لا سيما (^٣) العزة والجلال.
وهذا متابعة منه لأسلافه من المعتزلة في نفي هذه الصفات عن الله، ونسب أهل السنة لماّ وصفوه بذلك إلى الكذب.
واستدل على قوله هذا بأن قال: كأنهم لم يسمعوا الله يقول وهو أصدق القائلين: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (^٤).
ودليلنا على إثبات هذه الصفات لله تعالى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ (^٥).
_________________
(١) انظر: كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي في إنكاره أن يكون الله موصوف بهذه الصفات شرح الأصول الخمسة ص ١٦٧/ ١٨٣/٢٠٠/ ٢٠١/٢٢٧/ ٢٢٨/٥٢٨.
(٢) مرادهم بهذا هو أن الله جل وعلا استغنى بذاته عن كل شيء، حيث اعتبروا إثبات الصفات لله جل وعلا هو من قبيل الحاجة إليها، وأن إثباتها معه إثبات لقديم أزلي، وهذا يؤدي إلى تعدد القدماء في زعمهم، وهذا من أصول مقالتهم في إنكار الصفات وتسمية إنكارهم للصفات؟ (التوحيد). انظر: كلام عبد الجبار المعتزلي في بيان السبب لإنكارهم اتصاف الباري جل وعلا بهذه الصفات. شرح الأصول الخمسة ص ١٩٥ - ١٩٦.
(٣) هكذا في الأصل وهي كذلك في الدامغ الباطل ورقة ٢/أ.
(٤) يونس آية (٦٨).
(٥) ٦ فاطر آية (١١).
[ ١ / ١٣٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (^١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (^٢).
والقوة القدرة وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (^٤).
والدليل على إثبات الكلام له قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ (^٥)، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ (^٦).
وقال النبي - ﷺ-: "من ينصرني حتى أبلغ كلام ربي" (^٧).
والدليل على إثبات السمع والبصر ما أخبر الله عن إبراهيم أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ (^٨).
ولو كان إله إبراهيم لا يسمع ولا يبصر لكان دليله منقلبًا عليه. وقال النبي - ﷺ- في دعائه: "يا من وسع سمعه الأصوات" (^٩).
_________________
(١) الأعراف آية (٧).
(٢) الذاريات آية (٥٨).
(٣) فصلت آية (١٥).
(٤) البقرة آية (١٦٥).
(٥) التوبة آية (٦).
(٦) الفتح آية (١٥).
(٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٧ بهذا اللفظ إلى ابن مردويه والضياء في المختارة، وأخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/ ٣٩٠ والحاكم في المستدرك ٢/ ٦١٢، من حديث جابر - ﵁ - قال: "كان النبي - ﷺ- يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ﷿" قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وأخرجه د. في السنة (ب. في القرآن) ٢/ ٢٧٨، ت. في كتاب فضائل القرآن ٥/ ١٨٤، جه. في المقدمة (ب. فيما أنكرت الجهمية) ١/ ٧٣ من حديث جابر بلفظ "ألا رجل يحملني … " الحديث، قال الترمذي: "غريب صحيح".
(٨) مريم آية (٤٢).
(٩) لم أقف عليه من قول النبي - ﷺ-، وإنما هو من قول عائشة - ﵂- لما جاءت خولة بنت ثعلبة تشتكي زوجها أوس بن الصامت لما ظاهر منها، فأنزل الله عزوجل فيهما قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك ﴾ الآية، قالت عائشة - ﵂-: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات كلها إن خولة جاءت تشتكي زوجها إلى رسول الله - ﷺ- فيخفى عليّ أحيانًا بعض ما تقول فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ﴾ الآيات. أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٨/ ٥، الدارمي في الرد على بشر المريسي ص ٤٦، والآجري في الشريعة ص ٢٩١.
[ ١ / ١٣٥ ]
والدليل على إثبات الحياة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^١)، فوصف الله سبحانه نفسه بأنه يسمع ويبصر ويتكلم وأنه حي، وحقيقة الموصوف بصفة ثبوت الصفة له وليس بين الموصوف بهذه الصفات وبين الموصوف بضدها وهي: الموت والعجز والجهل والعمى والصمم والخرس فرق إلا ثبوت هذه الصفات وعدمها، كما أنه موصوف بالوجود لئلا يكون موصوفًا بضده وهو العدم، وأما إثبات الوجه واليدين فإنه إثبات صفة لا إثبات جارحة له (^٢) كما أثبتته المجسمة (^٣).
ولا نفسر ذلك كما فسرته الأشعرية (^٤)، ولا ننفي ذلك كما نفته القدرية. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ﴾ (^٥). وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ (^٦). وقال الله لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٧)، وأراد الله بذلك إظهار الفضيلة لآدم على إبليس.
_________________
(١) آل عمران آية (٢).
(٢) تقدم بيان المتعلق بهذه الألفاظ ص ٩٧.
(٣) المجسمة يقصد به من وصف الله بأنه جسم وشبهوه بخلقه ويقال لهم: المشبهة، وقد ذكر الأشعري وغيره منهم: هشام بن الحكم الرافضي وداود الجواربي ومقاتل بن سليمان وهشام بن سالم الجواليقي والكرامية. انظر: مقالات الإسلاميين ١/ ٢٨٢، ٢٨٣، الملل والنحل بهامش الفصل ١/ ١٣٩، الفرق بين الفرق ص ٢١٦/ ٢٢٧/٢٢٨.
(٤) المراد بذلك تأويل الصفات وتعطيلها وقد تقدم التعريف بالأشعرية ص ٩٤.
(٥) القصص آية (٨٨).
(٦) الرحمن آية (٢٧).
(٧) ص آية (٧٥).
[ ١ / ١٣٦ ]