١١ - فصل
روي أن النبي - ﷺ- خرج يومًا فإذا ناس من أصحابه على بابه يخوضون في القدر، فسمعهم النبي - ﷺ- فغضب حتى كأنما فقيء في وجهه حب الرمان، فقال - ﷺ-: "ألهذا خلقتم أم بهذا أمرتم؟ إنما هلكت الأمم قبلكم بمثل هذا انظر الذي أمرتم به فاعملوا به وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه" (^١).
فهذا الخبر وما أشبهه من الأخبار الواردة في النهي عن الخوض في القدر محمول على الكلام الذي تكلمت به القدرية، كيف خلق الله المعاصي ونهى عنها وعذب عليها. وكما تعرض عزير (^٢) لذلك فقال: "يارب كيف خلقت الخلق وتعلم أنهم لا يؤمنون ولم تجعل الخلق كلهم طائعين وأنت
_________________
(١) أخرجه جه. في المقدمة (ب. القدر) ١/ ٣٣، حم. ٢/ ١٧٨، ١٩٦، واللالكائي في السنة ٤/ ٦٢٧، والآجري في الشريعة ص ٦٨ كلهم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. قال في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. مصباح الزجاجة ١/ ١٤، وقال الشيخ أحمد شاكر في التعليق على المسند: إسناده صحيح. انظر: ١١/ ٧٣. وأخرج الحديث أيضا: ت. كتاب القدر (ب. ما جاء في التشديد في الخوض في القدر) ٤/ ٤٤٣ من حديث أبي هريرة وقال: حديث غريب.
(٢) هو عزير بن جروه ويقال بن سويق بن عديا بن أيوب بن درزنا بن عري بن نفي بن أسبوع بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران وقد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ التوبة آية (٣٠). والأشهر عند السلف أنه أماته الله مائة عام ثم بعثه الوارد ذكره في سورة البقرة، قال ابن كثير: والمشهور أن عزيرًا نبي من أنبياء بني إسرائيل، وأنه كان فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى ﵈، وأنه لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة فألهمه الله حفظها فردها على بني إسرائيل، ولهذا قالوا عنه (ابن الله) تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. انظر: البداية والنهاية ٢/ ٤٦، ٤٩.
[ ١ / ١٤٢ ]
تقدر على ذلك، وقال: اللهم إنك رب عظيم لو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن لا تعصي لما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يارب"؟ فأوحى الله إليه أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، ونهاه الله عزوجل عن الكلام بذلك فأبت نفسه فمحى الله اسمه من النبوة (^١).
فهذا الوجه من الكلام هو المنهي عنه، فأما القول بأن الأشياء كلها بإرادة الله وخلقه وأن أحدًا لا يمنعه عن إرادته وما أشبهه من الكلام فليس ينهى عنه وقد تكلم آدم وموسى في القدر بمثل ذلك (^٢) وتكلم به جبريل وميكال (^٣)
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في المعجم الكبير ١٠/ ٣١٦ من حديث ابن عباس وفي إسناده مصعب بن سوار ولم أقف على من ذكره، وفيه أبو يحيى القتات قال عنه ابن حجر: لين الحديث. التقريب ص ٤٣٢. وقد أخرج نحوه اللالكائي في السنة ٤/ ٧٢٨، والآجري في الشريعة ص ٢٣٦ عن نوف البكالي ابن امرأة كعب الأحبار. وكذلك روى الآجري نحوه مختصرًا عن سفيان الثوري عن داود بن أبي هند. قال ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٥٠: أما ماروى ابن عساكر وغيره عن ابن عباس ونوف البكالي وسفيان الثوري وغيرهم من أن عزيرًا سأل عن القدر فمحي اسمه من ذكر الأنبياء، فهو منكر وفي صحته نظر وكأنه مأخوذ من الإسرائيليات.
(٢) لعله يقصد حديث محاجة آدم وموسى ﵉، وسيأتي ذكره.
(٣) لعل المصنف يشير إلى ما رواه ابن الجوزي في الموضوعات من حديث جابر قال: "بينما رسول الله - ﷺ- جالس في ملأ من أصحابه إذ دخل أبو بكر وعمر، ثم ذكر أنهما اختلفا في القدر، فقال أبو بكر: يقدر الله الخير ولا يقدر الشر، وقال عمر: يقدرهما الله جميعًا فقال رسول الله - ﷺ-: لأقضي بينكما فيه بقضاء إسرافيل بين جبريل وميكائيل فقال بعض القوم: وقد تكلم فيه جبريل وميكائيل؟ فقال: والذي بعثني بالحق إنهما لأول الخلق تكلم فيه فقال جبريل مقالة عمر وقال ميكائيل مقالة أبي بكر ثم قالوا: يا رسول الله وما كان من قضائه؟ قال: أوجب القدر خيره وشره وضره ونفعه وحلوه ومره، ثم قال: يا أبا بكر لو لم يشأ أن يعصى ما خلق إبليس … " قال ابن الجوزي في الحديث: "إنه موضوع والمتهم به يحيى أبو زكريا. قال عنه يحيى بن معين: هو دجال هذه الأمة"، الموضوعات ١/ ٢٧٣. وقال الذهبي عنه أيضا: "إنه موضوع". انظر: الميزان ٣٧٤.
[ ١ / ١٤٣ ]