الإيمان بعموم مشيئة الله عزوجل وأنها الموجبة لكل ما في الوجود فما وقع في الوجود من عمل فإنما وقع بمشيئة الله، وما لم يقع إنما لم يقع لأن الله عزوجل لم يشأ وقوعه ولو شاء وقوعه لوقع، وهذا معنى قول المسلمين: - ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن قال عزوجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ (^٣) ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^٤) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (^٥) ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء﴾ (^٦)
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص (٤١٤).
(٢) سورة الليل من آية (٥ - ١٠).
(٣) سورة الإنسان آية (٣٠).
(٤) سورة المدثر آية (٥٦).
(٥) سورة السجدة آية (١٣).
(٦) سورة الأعراف آية (١٥٥).
[ ١ / ٤٨ ]
﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ (^١) ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (^٢) ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٣) وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - عن النبي - ﷺ- قال: "اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء" (^٤).
وفي قصة نومهم في الوادي قال - ﷺ: "إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء" (^٥).
وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أن الله عزوجل له المشيئة النافذة في خلقه فكل صلاح وخير وطاعة وإيمان وقعت في هذه الحياة إنما وقعت بمشيئته جل وعلا ولو شاء لم تقع قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ (^٦).
وكل فساد وانحراف ومعصية وكفر وقع في هذه الحياة إنما وقع بمشيئة الله عزوجل ولو شاء لم يقع قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ (^٧) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ (^٨) ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^٩) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (^١٠).
ويعتقد السلف أن الله عزوجل يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله.
_________________
(١) سورة الكهف آية (٦٩).
(٢) سورة الأعراف آية (١٨٨).
(٣) سورة آل عمران آية (٢٦).
(٤) أخرجه خ. كتاب التوحيد (ب. المشيئة والإرادة) ٩/ ١١٢.
(٥) المصدر السابق.
(٦) سورة يونس آية (١٦).
(٧) سورة البقرة آية (٢٥٣).
(٨) سورة الأنعام آية (١١٢).
(٩) سورة الأنعام آية (١٤٩).
(١٠) سورة السجدة آية (١٣).
[ ١ / ٤٩ ]
وقد دلت الآيات الكثيرة على هذا منها قوله عزوجل: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (^١) ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (^٢) ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٣) ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (^٤) ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٥).
ولا بد أن يعلم هنا أن الله عزوجل أعلم بخقله وأخبر وأنه جل وعلا الرحيم الحكيم المحمود على كل فعل فمن هداه الله عزوجل فذلك محض تكرم وتفضل منه سبحانه من غير استحقاق من العبد لذلك، قال عزوجل: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإيمَانِ﴾ (^٦) وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (^٧).
وقال - ﷺ- يرتجز ومعه المسلمون في حفر الخندق: "والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا" (^٨)
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ (^٩) الآية.
وله ﷾ الحكمة البالغة فيمن هدى وأضل لأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه المناسب.
_________________
(١) سورة الأعراف آية (١٥٥).
(٢) سورة الرعد آية (٢٧).
(٣) سورة إبراهيم آية (٢٧).
(٤) سورة الكهف آية (١٧).
(٥) سورة الأنعام آية (٣٩).
(٦) سورة الحجرات آية (١٧).
(٧) سورة الأعراف آية (٤٣).
(٨) أخرجه خ. كتاب الجهاد ب. حفر الخندق ٤/ ٢١، م. كتاب الجهاد ب. غزوة خيبر ٣/ ١٤٣٠.
(٩) سورة النساء آية (٩٤).
[ ١ / ٥٠ ]
فهدايته جل وعلا مع أنه تفضل منه فهو أيضا وضع لها في الموضع المناسب إذ هذا مقتضى وصفه جل وعلا بالحكمة قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (^١).
ومن ضل فإن الله سبحانه لم يظلمه شيئًا ولم يبخسه حقه إنما منعه فضله وهدايته، وذلك أيضًا لحكمة بالغة فإن الضال ليس بمحلٍ للهداية فهدايته وضع لها في غير موضعها قال عزوجل: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (^٢).
فكل من ضل عن الحق فإنه من هذا الصنف الذين علم الله عزوجل أنه لا خير فيهم ولو علم فيهم خيرًا لهداهم.
بقي هنا مسألة تتعلق بالمشيئة وهي: أنه لا تلازم بين المشيئة والمحبة وذلك أن المشيئة لا تأتي إلا بمعنى الإرادة الكونية القدرية حيث الإرادة تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول: الإرادة الكونية القدرية مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (^٣) ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (^٤) ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٥). وغير ذلك من الآيات، وهذا النوع من الإرادة بمعنى المشيئة إذ لابد من وقوعه لأنه يتعلق بالقضاء والأمر الكوني القدري.
النوع الثاني: الإرادة الدينية الشرعية مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ
_________________
(١) سورة الأنعام آية (٥٣).
(٢) سورة الأنفال آية (٢٣).
(٣) سورة هود آية (١٠٧).
(٤) سورة البقرة آية (٢٥٣).
(٥) سورة الأنعام آية (١٢٥).
[ ١ / ٥١ ]
يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (^١) الآية ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (^٢) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (^٣).
فهذا النوع من الإرادة ليس بمعنى المشيئة وإنما تعلقه بما يحب الله ويرضى فقد يقع وقد لا يقع فلا تلازم بينه وبين المشيئة (^٤).