الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان وقد ورد بيانه وتوضيحه في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم متبعين لا مبتدعين، يقفون الأثر وينشطون في العمل ويعرضون عن الجدل ولم يعرف منهم رضوان الله عليهم من دخل في بدعة.
وكان أول البدع ظهورا بدعة الخوارج، وكما هو معروف فإن أول ظهورهم كان في زمن الخليفة الراشد علي - ﵁ -، ثم ظهرت بعدهم الشيعة في زمنه أيضًا - ﵁ -، ثم ظهر نفاة القدر وذلك أواخر عهد الصحابة بعد موت الخليفة معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -، وقد سئل عنهم ابن عمر وابن عباس وغيرهم ممن تأخرت وفاتهم.
وكان أول ظهورهم بالبصرة في العراق على يد رجل ينسب إلى الزهد يقال له معبد الجهني.
وقد روى الآجري واللالكائي بإسناد جيد عن الأوزاعي أنه قال: "أول من
[ ١ / ٦٢ ]
نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن كان نصرانيا فأسلم، ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد" (^١).
ومعبد هذا كان ينسب إلى الزهد، وهو الذي أظهر القول بنفي القدر وخرج إلى المدينة وأفسد بها أناسا، وقد حذر منه الأئمة كطاووس والحسن وابن عون (^٢) وقد قتله الحجاج صبرا مع ابن الأشعث، وقيل إن عبد الملك بن مروان الذي صلبه ثم قتله سنة (٨٠ هـ) (^٣) وقد بلغ خبر إنكارهم للقدر عبد الله بن عمر كما في صحيح مسلم عن يحيى بن يعمر قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ- فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ فقلت: أبا عبد الرحمن إنه ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريئ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم فال: حدثني عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله - ﷺ- فذكر حديث جبريل (^٤). ثم إن معبدًا هذا أخذ عنه غيلان بن مسلم (^٥) القدري وقد رفع أمره إلى عمر بن عبد العزيز - ﵀ - فأتي به واستتابه فأظهر توبته فأطلقه فلم يتكلم بنفي القدر زمن عمر بن عبد العزيز، فلما توفي وتولى يزيد بن عبد الملك تكلم غيلان بنفي
_________________
(١) الشريعة للآجري ص ٢٤٣، السنة للالكائي ٤/ ٧٥٠.
(٢) انظر: الشريعة للآجري ص ٢٤٢.
(٣) انظر: البداية والنهاية ٩/ ٣٨.
(٤) صحيح مسلم ١/ ٣٧.
(٥) انظر: ترجمته في لسان الميزان ٤/ ٤٢٤.
[ ١ / ٦٣ ]
القدر وكان يزيد لا يهتم بهذا الأمر، فلما ولي هشام بن عبد الملك أحضر غيلان وذكره بتوبته أمام عمر بن عبد العزيز، فقال غيلان: أقلني يا أمير المؤمنين فوالله لا أعود، قال هشام: لا أقالني الله إن أقلتك هل تقرأ فاتحة الكتاب قال: نعم، قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين، فقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال قف على ما استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه أو على أمر في يدك. اذهبا فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه (^١). ثم لما اعتزلت المعتزلة بقول واصل بن عطاء (^٢) في مرتكب الكبيرة بأنه في منزلة بين المنزلتين انضم إليه عمرو بن عبيد (^٣) فضموا إلى بدعتهم في الإيمان وإنكَارَهم خروج أحد من النار وخلود أهل الكبائر في النار وإنفاذ الوعيد إنكارهم للقدر.
ونفي القدر كانت له مرحلتان: المرحلة الأولى إنكار العلم السابق وكان على هذا معبد الجهني وبعض القدرية وقد كفرهم الأئمة بهذا، ثم إنهم رجعوا عن هذا وأنكروا المشيئة وخلق الأعمال وعموم القدرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفيهم العلم والكتابة السابقة:
"وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية في أواخر عصر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهما من الصحابة، وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرؤا منه وأنكروا مقالتهم كما قال
_________________
(١) روى هذا عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ٢/ ٤٢٩، واللالكائي في السنة ٤/ ٧١٤ وإسناده حسن فيه مؤمل بن إسماعيل قال عنه في التقريب ص ٣٥٣، صدوق سيء الحفظ.
(٢) انظر: ترجمته في لسان الميزان ٦/ ٢١٤، سير أعلامم النبلاء ٥/ ٤٦٤.
(٣) انظر: ترجمته وذم الأئمة له لبدعته في الكامل لابن عدي ٥/ ١٧٥، الميزان ٣/ ٢٧٣، تاريخ بغداد ١٢/ ١٦٦.
[ ١ / ٦٤ ]
عبد الله بن عمر … وكذلك كلام ابن عباس وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير، حتى قال الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم فيهم: إن المنكرين لعلم الله المتقدم يكفرون.
ثم كثر خوض الناس في القدر فصار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم والكتاب السابق، إلا أنهم ينكرون عموم مشيئة الله وعموم خلقه وقدرته ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلا أمره فما شاء فقد أمر به وما لم يشأ لم يأمر (^١) به. ثم إن المعتزلة قعدوا لأنفسهم قواعد تتفق مع مخالفتهم التي انحرفوا بها عن الشرع.
وأول هذه القواعد زعمهم: أن العقل مقدم على الشرع وحاكم عليه، وأن الشرع متى ما خالف العقل في زعمهم فإنه يجب اطراحه أو تأويله قال عبد الجبار المعتزلي: "اعلم أن الدلالة أربعة: حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل".
ثم قال: "الكلام في أن معرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل، فلأن ما عداها فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله، فلو استدللنا بشيء منها على الله ولحال هذه كنا مستدلين بفرع للشيء على أصله وذلك لا يجوز" (^٢). ومراده هنا بقوله معرفة الله أي من ناحية صفاته جل وعلا وأفعاله، فقدموا هنا حجة العقل على الشرع ليردوا الشرع الصريح الواضح في إثبات ما يخالف مذهبهم بهذا الزعم.
وهذا القول منهم قلب للحق على مقتضى العقل، لأن الله عزوجل بصفاته وأفعاله لا يمكن للعقل الوصول إلى العلم به إلا على وجه الإجمال، وإن كان الإنسان مفطورا على الإيمان بالله والإقرار له بالربوبية،
_________________
(١) الفتاوى ٨/ ٢٢٨.
(٢) شرح الأصول الخمسة ص ٨٨.
[ ١ / ٦٥ ]
ولكن هذا الإقرار لا يعطي الإنسان علما وافيا عن الله عزوجل، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الوصول إلى معرفة الله على التفصيل إلا منه جل وعلا وذلك بطريق الوحي.
لهذا تخبط المعتزلة في كلامهم عن الله عزوجل وضلوا فيه جل وعلا ضلالا بعيدا سواء في صفاته أو في الكلام على أفعاله ﷾.
بعد هذا قعد المعتزلة أصل (العدل) وهو الأصل الثاني من أصولهم وينسبون أنفسهم إليه بقولهم: (أهل العدل) وقد نمقوا بيانهم للمراد بالعدل بألفاظ ظاهرها التنزيه والتعظيم لله عزوجل، وباطنها تعجيز الله والحد من قدرته وسيادته والرد لشرعه ودينه.
فقال عبد الجبار المعتزلي في تعريفه للعدل: هو توقير حق الغير واستيفاء الحق منه، ثم قال في تطبيق هذا التعريف على عدل الله "وأما علوم العدل فهو أن يعلم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة وأنه لا يفعل القبيح ولا يخل بما هو واجب عليه وأنه لا يكذب في خبره ولا يجور في حكمه" (^١).
فهذه العبارات من سمعها ظن أن المراد بها حق، فإن قولهم: إن أفعال الله تعالى كلها حسنة وأنه لا يفعل القبيح ولا يخل بما هو واجب عليه، يدخل تحتها أمور عديدة:
أولها: أن الحسن والقبح إنما يعرف بالعقل وما حسن في العقل من الإنسان حسن من الله عزوجل وما قبح في العقل من الإنسان قبح من الله عزوجل، فهذا فيه تشبيه وتحكم في أفعال الله عزوجل بميزان النظر البشري.
ثانيها: أن ما حسن يجب على الله أن يفعله، وما قبح لا يجوز له فعله، فهذان الأصلان جعلهما المعتزلة في كلامهم ميزان العدل الإلهي، فكل فعل أردوا إثباته أو نفيه عرضوه على هذا الميزان، فإن كان موافقا لهذا الميزان
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة ص ١٣٢ - ١٣٣.
[ ١ / ٦٦ ]
قبلوه وقالوا به، وإن خالف هذا الميزان ردوه ولم يقبلوه ولو قامت الأدلة الشرعية الصحيحة على إثباته، وزعموا في ردهم له أنه يخالف عدل الله وحكمته، وما لم يعلم أن الله عدلٌ حكيمٌ لا يمكن أن تعرف صحة الشرع.
وهذا الميزان الجائر قد رُدت به أمور قطعية ورد الشرع بها، وأُثبت به أمور لم ترد في الشرع بل الدليل الشرعي على خلافها وهذه الأمور هي:
أولا: زعموا أن الله خلق الخلق لينفعهم وهذا لم يرد في الشرع بل الذي ورد قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^١).
ثانيا: زعموا أن الله لا يضل أحدا، وأنه لم يختم على قلوب الكفار لأن هذا عندهم قبيح ينزه الله عنه، وهذا باطل فقولهم قبيح ينزه الله عنه غير صحيح لوجهين:
١ - أن هذا ثبت في الشرع وهو الحاكم على كل شيء.
٢ - أن الله ثبت أنه عدل حكيم، فإضلاله لمن ضل إنما بمقتضى عدله جل وعلا وحكمته، وليس باللزوم أن يظهر لنا وجه هذا العدل وهذه الحكمة.
ثالثا: زعموا أن الله لم يقدر على العباد المعاصي فردوا بذلك ما ثبت في السنة من أن الإيمان بأن الله يقدر الخير والشر ركن من أركان الإيمان.
رابعا: زعموا أن الله لا مشيئة له نافذة في خلقه لأن هذا إجبار وهو قبيح ينزه الله عنه، فردوا بذلك الأدلة الثابتة في الشرع مع أن هذا ليس جبرا لأن العباد لهم مشيئة أيضا وقد جاءهم الشرع، وقد تقدم بيان قول السلف في القدر بالتفصيل.
خامسا: أنكروا خلق أفعال العباد، وزعموا أن هذا فيه نسبة فعل القبائح إلى الله عزوجل، وهذا قبيح.
_________________
(١) سورة الذاريات آية (٥٦).
[ ١ / ٦٧ ]
وأهل السنة لا يقولون إن الله يفعل القبائح بل هو منزه جل وعلا عن ذلك، لأن المنسوب إلى الله هو الخلق للفعل على مقتضى الدلالة الشرعية وكمال الربوبية، أما الفعل فهو فعل العبد على ما تقدم بيانه في مذهب أهل السنة.
سادسا: أن الله يجب عليه فعل الأصلح لعباده، فأوجبوا على الله ما لم يوجبه جل وعلا على نفسه افتراءً عليه.
وهكذا نرى أن نفي القدر مر بعدة مراحل، أولها نفي العلم الإلهي السابق لأفعال العباد وتبعه إنكار الكتابة وعموم المشيئة وخلق أفعال العباد، ثم إن نفي القدر خف بفعل إنكار السلف وتكفيرهم للقائلين بهذا وقوة الشرع والسنة وارتباط الناس بها إلى إثبات العلم والكتابة وإنكار المشيئة والخلق، ثم إن المتكلمين المعتزلة صاغوا هذا النفي وقعدوه بقواعد يلتزمون بأصولها ويختلفون كثيرا في فروعها، إذ مناطها العقل، والعقول مختلفة فلا تجدهم يتفقون على فرع، وهذه القواعد أدت إلى توسيع الدائرة في نفي القدر وإلى القول على الله بغير علم.
[ ١ / ٦٨ ]