قال ابن سمرة الجعدي عن العمراني: "وانتشر علمه في الأجانب والقرباء، وأجاب عن المعضلات، وأوضح المشكلات وقسم الأوصاف والاحترازات وطبق الأرض بالأصحاب فما أعلم في أكثر هذا المخلاف فقيها مجودا ومناظرا مجتهدا إلا من أصحابه أو أصحاب أصحابه" (^٣).
وقد أقام - ﵀ - كما سبق ذكره في بلده مصنعة سير بعد عودته من الحج سنة (٥٢١ هـ) يدرس إلى سنة (٥٤٩ هـ) ثم انتقل إلى ذي أشرق واستمر في التصنيف والتدريس إلى سنة (٥٥٧ هـ) قبل وفاته ببضعة أشهر وكان - ﵀ - كما ذكر عنه ابن سمرة الجعدي والسبكي: من أحسن العلماء تعليما وتدريسا وطريقته كما ذكرها الجعدي بقوله: "وكان - ﵀ - إذا درس من يعلم فهمه فإنه بعد فراغ القارئ من الفصل يعيده هو بنفسه
_________________
(١) المرجع السابق ص ١١٥ - ١١٦.
(٢) المرجع السابق ص ١٧١.
(٣) طبقات فقهاء اليمن ص ١٨٢.
[ ١ / ١٩ ]
عليه حفظا مع تنبيهه له على خلاف الإمام مالك وأبي حنيفة خاصة، وقد يذكر معهما غيرهما في بعض المسائل، ثم يذاكره باحتراز الأقيسة والوجوه في أصولها. لم خصت بجعلها أصولًا؟ وذلك إما من جهة النص عليها في الكتاب والسنة، أو تسليم المخالف في حكم المسألة المقيسة، وإن كان في عبارة الكتاب استغلاق أو قصر فهم القارئ أبدلها له بعبارة أخرى إلى أن يتصور القارئ الفصل ويفهمه، ومن كان من الطلبة غير فاهم لم يسلك به هذا المسلك بل يجيبه عما سأل عنه لا غير مع رده عليه التصحيف" (^١).
فلا غرو بعد هذا أن يكون الشيخ - ﵀ - إمام الشافعية باليمن وجميع من جاءوا بعده ممن ترجم لهم ابن سمرة الجعدي هم تلاميذه أو من المستفيدين من علمه والغارفين من بحره، ونقتصر في الترجمة لبعضهم وهم:
١ - ابن عمه محمد بن موسى بن الحسين بن أسعد العمراني وهو أقدم أصحابه قراءة عليه وأعلاهم رتبة وأرفعهم درجة، كان حافظا مجودا جمع بين الفقه والزهد والعبادة والورع، ومع ذلك حسن الخلق توفي سنة (٥٦٨ هـ) في مصنعة سير أفتى ودرس في حياة شيخه العمراني وكان يثني عليه ويمدحه (^٢).
٢ - ابنه طاهر بن يحيى بن أبي الخير أبو الطيب العمراني ولد في ذي الحجة سنة (٥١٨ هـ) تفقه بأبيه وخلفه في حلقته ومجلسه وأجاب على المشكلات في حياته، جالس العلماء وروى عنهم، وأخذ عن غير واحد وجاور في مكة وهاجر إليها بأولاده الرجال والنساء لعموم فتنة ابن
_________________
(١) المرجع السابق ص ١٧٨، وانظر: طبقات الشافعية الكبرى ٧/ ٣٣٧.
(٢) طبقات فقهاء اليمن ص ١٨٥.
[ ١ / ٢٠ ]
مهدي (^١) في مخاليف اليمن. وأقام سبع سنين روى عن كبار المحدثين في الحرم، ثم عاد إلى اليمن سنة (٥٦٦ هـ) وولي قضاء ذي جبلة وأعمالها وله مصنفات منها: (مقاصد اللمع) و(كسر قناة القدرية) وكتاب في (مناقب الإمامين الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله) وكتاب (معونة الطلاب بفقه معاني كلم الشهاب) وجمع بين علم القراءات والحديث والفقه وغلب عليه الكلام وتوفي - ﵀ - سنة (٥٨٧ هـ) (^٢).
وذكر الجعدي أن الشيخ العمراني جمع أحبابه وأصحابه وأمر ابنه طاهرا أن يصعد المنبر في ذي أشرق سنة (٥٥٤ هـ) وسأله أبوه عن اعتقاده وذلك لما شاع أنه على خلاف عقيدة أبيه فأجاب الابن بما كذب كل حاسد وأدحض تلبيس كل بغيض ومعاند، فالتقاه والده عند أسفل المنبر وقال: هل أنكر الإخوان من هذا شيء (^٣).
وهذا يرد على ادعاء يحيى العامري في كتابه غربال الزمان ص (٤٣٧) أن طاهر بن الشيخ يحيى العمراني كان أشعريا وأنه كان ينكر على والده ويرد عليه عقيدته، لأن الجعدي تلميذ طاهر بن يحيى ونقله عنه أثبت وأدق، ولعل الذي بلغ العامري فحكاه في كتابه هو من الشائعات التي كانت بلغت العمراني - ﵀ - فطلب من ابنه أن يفصح عن عقيدته على المنبر أمام الناس. وهي قوة في الحق.
٣ - الفقيه أحمد بن عبد الله بن مسعود بن أسلم البريهي ثم السكسكي ثم الكندي سيف السنة زين الحنبلية سكن في إب (^٤) وأفضت إليه الرئاسة فيها، جمع بين الزهد والورع والعلم والحديث، وارتحل إلى مكة وسمع فيها صحيح مسلم في سنة (٥٨٠ هـ) ورجع إلى مدينة إب ثم نزل الجند
_________________
(١) سبق الإشارة إليها في الكلام على موطن نشأة العمراني.
(٢) المرجع السابق ص ١٨٧، طبقات الشافعية للأسنوي ١/ ٢١٣.
(٣) طبقات فقهاء اليمن ص ١٨٨.
(٤) إب: مدينة في الجنوب من صنعاء في السفح الغربي لجبل ريمان وهي منطقة خصبة. معجم المدن اليمنية ص
[ ١ / ٢١ ]
واجتمع إليه الأصحاب من ظبا (^١) وذي أشرق والشعبانية وأعمال الجند وغير ذلك فأسمعهم إياه في رجب بمدينة الجند سنة (٥٨١ هـ) (^٢).
هؤلاء هم كبار تلاميذ العمراني وله تلاميذ آخرون ذكرهم ابن سمرة الجعدي.
وقال: "وصحب الإمام يحيى بن أبي الخير خلق كثير ممن استحق بالحفظ والنظر درجة الفتوى وممن لم يستحق، وسأذكر عدد من يحضرني معرفته مع من قدمت ذكره من المشهورين بالفتوى والتدريس".
ثم ذكر مجموعة أخرى من التلاميذ نحيل فيها إلى كتاب ابن سمرة من ص (١٩٨ - ٢١٠).