تقدم بيان أن الله حكيم في خلقه وأمره جل وعلا وهو إذ جعل الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، فله في ذلك الحكمة البالغة فإن للإيمان فوائد عديدة:
أولا: تعظيم الرب عزوجل التعظيم الواجب له سبحانه باعتقاد شمول علمه ونفوذ مشيئته وعموم خلقه جل وعلا لكل شيء (^٥).
ثانيا: تنشيط النفوس الصالحة إلى العمل وتخويف النفوس المفرطة لعلها تتوب وترجع إلى ربها، وذلك على ضوء قوله - ﷺ-: "اعملوا فكل ميسر لما
_________________
(١) سورة الصافات آية (٩٥ - ٩٦).
(٢) سورة فاطر آية (٤٠).
(٣) سورة النحل آية (١٧).
(٤) شرح اعتقاد أهل السنة ٤/ ٦٤٦ - ٦٤٩.
(٥) شفاء العليل ص ٥٢.
[ ١ / ٥٩ ]
خلق له، فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة" (^١).
فإن السائر على طريق الخير يزداد نشاطه في الخير لتوقعه أن يكون قد سلك الله به طريق أهل السعادة فإن من علامة ذلك كونه على الطريق، وكذلك المنحرف عن طريق أهل السعادة فإن ذلك يخيفه من أن يكون قد سُلكَ به طريق أهل الشقاوة فيختم له به فينتبه ويفيق ويرجع إلى ربه جل وعلا لعله يسلم ويسلك طريق النجاة، وما عند الله جل وعلا لا يحصل إلا بالعمل. يوضح ذلك أن الإنسان إذا أراد أن يكون صانعا أو تاجرا أو عالما فإنه لا يمكن أن يكون كذلك بدون عمل، فإذا كان ماهرا بالصناعة يدرك أنه سيكون في المستقبل صانعا، وكذلك إذا كان ماهرا في التجارة فإنه سيكون في المستقبل تاجرا، فإذا كان راغبا في هذه الوجهة فإنه يضاعف من جهده حتى يحسن العمل ويصل إلى غايته بأكمل ما يكون من العدة والاستعداد.
وكذلك إذا كان يأمل أن يكون من العلماء ويرى نفسه مهتما بالتجارة فلا شك أنه سيجتهد في صرف نفسه عن التجارة، ويجتهد في العلم حتى يبلغ الغاية التي يأملها ويتمناها، فكذلك من أيقن أن الله قد يسر كل إنسان لما خلق له فإنه إن رأى نفسه على الطريق فرح بذلك واستبشر وزادت همته ونشاطه بدافع الحرص والوصول إلى أسمى المراتب.
وإذا رأى نفسه قد تنكب الصراط فإنه يخاف أن يكون قد سلك به طريق الهالكين فيحزم ويعزم حتى يسلك سيبل السعادة لعله يكون من أهلها وهذا ظاهر بحمد الله (^٢).
_________________
(١) سيأتي تخريجه فقد ذكره المصنف ص ٤١٤.
(٢) انظر: نحو هذا المعنى في كلام شيخ الإسلام في الفتاوى ٨/ ٢٧٦ - ٢٨٠، وابن القيم في شفاء العليل ص ٢٥ - ٢٦.
[ ١ / ٦٠ ]
ثالثا: أن الإيمان بأن الله قد كتب كل شيء وأن ما كتب سيكون لا محالة يدفع النفوس إلى الإقدام والعمل والجد والاجتهاد وكسر طوق الخوف من الفشل والهزيمة الذي كثيرا ما يستولي على السالك أو الراغب في أمر فيثنيه عن أمره ووجهته، لهذا قال - ﷺ- في حديث أبي هريرة: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل".
ويروى عن علي - ﵁ - أنه قال: "حرس أمرًا أجله" (^١) وهذا حق فإن الإنسان إذا كان لن يموت إلا في يومه الذي قدر له، فإنه محروس محفوظ إلى حين الأجل وهذا يدفعه إلى الإقدام والشجاعة.
رابعا: أن المسلم إذا آمن بالقدر على ضوء حديث النبي - ﷺ- "حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك" (^٢)، أيقن بأن المقدر لا بد أن يكون فتهون عليه المصيبة إذا وقعت ووجد في احتساب الأجر فيها عند الله أعظم العزاء.
كما أن الإنسان العاصي بعد توبته وإقلاعه عن ذنبه يجد في القدر عزاءً لنفسه فيقل من لومها وعتابها، فإن اللوم وعتاب النفس إذا تعدى حدَّه قد يوصل إلى اليأس أو يشغل عما ما هو أولى من الطاعة والعبادة (^٣).
النافع الضار وأن كل خير بيده وأن كل شر لا يدفعه إلا هو جل وعلا، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن مشيئته هي الموجبة لكل ما يقع في هذه الحياة، فإن المسلم تزداد رغبته في
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٧٥.
(٢) سيذكره المصنف ص ١٤٤ من حديث أبي بن كعب ﵁.
(٣) انظر: الفتاوى ٨/ ٧٧.
[ ١ / ٦١ ]
الله جل وعلا رجاء النفع ورجاء دفع الضر فيدعوه ويلتجئ إليه، وهذا الدعاء واللجوء إليه جل وعلا هو أعظم المنة وغاية الرحمة فإنه العبادة التي من أجلها خلق الإنسان، والدعاء هو: العبادة، فلا أعظم بركة من الأمر الذي يوصل أو يشد إلى هذه الغاية التي خاتمتها مستقر رحمة الله ورضوانه، وأما من لم يؤمن بهذا فإنه لا يجد في نفسه التعظيم الواجب للباري وتقل رغبته فيه جل وعلا، إذ لا خير يرجى جلبه ولا شر يُرْجى دفعه، فبالتالي لا يسأل الله عزوجل ولا يدعوه ولا يرغب إليه، وأي شيء على الإنسان أعظم من إحساسه بالاستغناء عن ربه وسيده ومن بيده خير الدنيا والآخرة (^١).
_________________
(١) انظر: نحو هذا المعنى في كلام شيخ الإسلام في الفتاوى ٨/ ٢١٤ - ٢١٦.
[ ١ / ٦٢ ]