يقول ابن عباس - ﵁ -: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه بالقدر توحيده" (^٢)، كيف صار الإيمان بالقدر ينظم التوحيد والتكذيب بالقدر ينقض التوحيد؟ الجواب عن ذلك أن الإيمان بالقدر على ضوء ما تقدم هو اعتراف بالسيادة الكاملة للباري جل وعلا على ملكه، والتكذيب بالقدر وصف للباري جل وعلا بالعجز وخروج أمور كثيرة عن ملكه.
وذلك أن الإيمان بالقدر إيمان بعموم علم الله عزوجل وأنه لا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا يغيب عنه الظاهر ولا الخفي، ولا الجزء ولا الكل كل ذلك في علمه، والتكذيب بذلك وصف له جل وعلا بالجهل وعدم الإحاطة، والجاهل
_________________
(١) انظر: الفتاوى ٨/ ٣٧٧، شفاء العليل ص ١٩٠.
(٢) شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي ٣/ ٦٢٣.
[ ١ / ٥٧ ]
وعديم الإحاطة لا يكون ربا ولا إلها تعالى ربنا عن ذلك. أما الكتابة فإنها تأكيد للعلم وتأكيد للسيادة على الكون في انتظامه على ما هو مكتوب لا يخرج عنه قيد شعرة، فالكتابة دليل على عظمة هذه السيادة والربوبية.
أما المشيئة فشأنها عظيم، فإثباتها إثبات لربوبية الله عزوجل وسيادته السيادة الكاملة والمباشرة على خلقه، فإرادته جل وعلا ومشيئته نافذة فيهم في الصغير والكبير والحقير والجليل، ومن أنكرها فقد طعن في هذه الربوبية المطلقة على الخلق، لأن إنكارها معناه أنه يوجد في هذا الوجود شيء لا يريده الله ولا يشاؤه، وقد يشاء أمرا فلا يقع، فأي طعن في ربوبية الله عزوجل أعظم من هذا الطعن، وأي تنقص للرب جل وعلا أعظم من هذا التنقص؟ وهو كاف في نقض التوحيد وانهدام أركانه، لأنه إذا كانت مشيئته غير نافذة فملكه ناقص وعجزه ظاهر، ومن هذه صفته لا يصلح للربوبية ولا أن يكون معبودا تعالى الله عن ذلك.
ومعلوم من حال ملوك البشر أن الملك الذي يصدر شعبه عن رغبته وينصاع لأمره وإرادته فيهم أعظم ملكا من الملك الذي يأمر ولا يطاع ويريد ولا تنفذ إرادته، بل هذا الأخير ليس له من الملك في الحقيقة إلا اسمه، فالله عزوجل أحق بإثبات الحال الأكمل، وملكه وسيادته وربوبيته أعلى وأظهر من كل ملك وسيادة، والأمور جميعها منوطة به جل وعلا، قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١)
أما خلق الأعمال فهو إثبات بأن الخالق واحد ولا شريك له في ذلك، وأن جميع ما في الوجود من متحرك وساكن هو خلق له سبحانه فإثباته إثبات لعموم الخلق الذي هو من لوازم الربوبية قال عزوجل: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ
_________________
(١) سورة آل عمران آية (٢٦).
[ ١ / ٥٨ ]
مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^١) ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (^٢) فعاب على هؤلاء أن عبدوا ما لا خلق له، بل جعل الله من يخلق هو المستحق للعباد فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٣).
فمن أنكر خلق أفعال العباد فقد زعم أنه يوجد خالق آخر مع الله أو من دون الله وهذا هو الكفر، لهذا ثبت عن كثير من السلف وصف القدرية المنكرين لخلق أفعال العباد بأنهم مجوس هذه الأمة (^٤) حيث زعموا مع الله خالقين وهم العباد الذين يخلقون أفعالهم.
فثبت بهذا كله أن الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع بينه وبين التوحيد تلازم فينتقض التوحيد بالتكذيب بالقدر.