فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف علم أنه محدث مبتدع زائغ لا يستحق أن يصغى إليه.
فالمعتزلة والقدرية (^١) عن سنن النبي - ﷺ- بمعزل لوجوه:
أحدها: أنهم يطعنون على الصحابة - ﵃ - الذين بايعوا أبا بكر وعمر وينسبونهم إلى الظلم لعلي - ﵁ (^٢) - وقد أمرنا النبي - ﷺ- بالاقتداء بهم جميعًا والأخذ عنهم.
_________________
(١) المراد بالمعتزلة والقدرية هنا معتزلة اليمن الذين جمعوا بين الزيدية والاعتزال، ويوصفون بالقدرية لأخذهم بإنكار القدر كالمعتزلة.
(٢) المعتزلة ليسوا على قول واحد في الخلفاء والصحابة لأن متقدميهم كانوا يقدمون أبا بكر وعمر وعثمان - ﵃ - على علي - ﵁ - إلا واصل بن عطاء فإنه يفضل علي بن أبي طالب على عثمان ﵄. وأبو علي الجبائي وأبو هاشم توقفا في التفضيل، أما النظام فإنه كان يقول بالرفض فيطعن في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. انظر: شرح الأصول الخمسة ص ٧٦٦، الملل والنحل بهامش الفصل ١/ ٧٢. أما الزيدية فهم ثلاث فرق وكل واحدة منها لها قول في الخلفاء والصحابة. الفرقة الأولى: الجارودية أتباع زياد بن أبي زياد أبو الجارود، وهؤلاء يقولون بتكفير الصحابة بتركهم بيعة علي ﵁. الفرقة الثانية: السليمانية أو الجريرية أتباع سليمان بن جرير الزيدي، وهؤلاء ينفون إمامة أبي بكر وعمر، وعلي أولى بالإمامة منهما إلا أن الخطأ في بيعتهما لا يوجب كفرا ولا فسقا. وقال سليمان ابن جرير بتكفير عثمان - ﵁ - بالأحداث التي نقمها عليه الناقمون. الفرقة الثالثة: البترية أتباع الحسن بن صالح بن حي، وكثير النواء الملقب بالأبتر وقولهم كقول السليمانية في أبي بكر وعمر ويخالفونهم في عثمان حيث يتفقون عن ذمه ومدحه. وهم أقرب الفرق الزيدية في هذا إلى السنة. انظر: الفرق بين الفرق ص ٣٠ - ٣٣، وانظر: مقالات الإسلاميين ١/ ١٤٢/١٤٣. هذه أقوال فرق الزيدية، أما أئمة اليمن الزيدية فقد ذكر صاحب كتاب (معتزلة اليمن، دولة الهادي وفكره) ص ٢١ نصا عن نشوان الحميري، المتوفى سنة (٥٧٣ هـ) وهو معاصر للعمراني قوله: إنه ليس في اليمن من فرق الزيدية غير الجارودية.
[ ١ / ١٠٩ ]
ونقل صاحب كتاب الزيدية ص (٣٥٦) عن القاسم الرسي المتوفى سنة (٢٤٦ هـ) قوله: "لنا أم صديقة غضبت على أبي بكر لمنعها فدك ونحن غاضبون لغضبها".
ونقل عن حفيده الهادي يحيى بن الحسين المتوفى سنة (٢٩٨ هـ) أنه قال بتخطئة أبي بكر - ﵁ - في فدك بدعوى أنها كانت ملك فاطمة - ﵂- قبل وفاة الرسول - ﷺ- الذي كان قد وهبها إياها، ويعتبر أن أبا بكر قد رد الجميل إلى عمر - ﵄ - حين عهد إليه بالخلافة من بعده، انظر: كتاب الزيدية ص ١٨١.
فهذا أغلظ كلام أئمة الزيدية في اليمن في الخلفاء، أما الباقون فهم على ما ورد عن زيد بن علي من تفضيل علي بن أبي طالب والترضي عن بقية الصحابة، فقد ذكر يحيى بن حمزة المؤيد بالله المتوفى سنة (٧٤٩ هـ) قول أئمتهم مفصلا في الصحابة في رسالة سماها (الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين)، ننقل من ذكر منها صاحب كتاب الزيدية ص ٣١٩ وهو قوله: التكفير والتفسيق لا يكونان إلا بدلالة قاطعة ولم يقم البرهان الشرعي إلا على الخطأ في النظر إلى النصوص دون أمر زائد على ذلك من كفر أو فسق، إنا نعلم قطعا وبالضرورة صحة أديانهم وسلامة إيمانهم واستقامتهم على الدين ومحبتهم لرسول رب العالمين ورضاه عنهم ومعرفته لهم ونصرتهم له في المواطن التي تزل فيها الأقدام، وما ورد عنه نت الثناء عليهم وشهادته لهم بالجنة ورضاه عنهم في أكثر أحوالهم … ثم ذكر بعض النصوص الشرعية في الثناء على الصحابة، ثم ذكر حال علي - ﵁ - مع الخليفتين، وأنه كان لهما الوزير والمعين وكذلك الحال بالنسبة لابنيه الحسن والحسين، ثم قال: أما حال زيد فقد كان انصراف الرافضة عنه وما لزم عن هذا من قتل كان أهون عليه من أن يقبل التبري من الشيخين قائلا: كيف أتبرأ منهما وقد كانا وزيري جدي وصهريه، يعني النبي - ﷺ-، كذلك فإن الأمر من محمد النفس الزكية وإبراهيم ويحيى ابني عبد الله ولو قد سبوهما لما تابعهم أكابر المعتزلة لأن لعن الصحابة عندهم يبطل العدالة فضلا عن الإمامة، وسئل جعفر الصادق عن أبي بكر فقال: ما أقول فيمن أولدني مرتين (يعني بذلك أن أمه فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فجده لأمه وأم أمه أبو بكر ﵁)، وكان الناصر للحق يملي أحاديث مروية عنهما بالترضية عليهما فلما كف المستملي من كتابة الترضية زجره الإمام قائلا: لم لا تكتب (﵄)، إن هذا العلم لا يؤثر إلا عنهما أو عن أمثالهما.
فخلص من هذا إلى أنه لم يؤثر عن أمير المؤمنين ولا عن أحد من أئمة أهل البيت بكفر أو فسق أحد من الصحابة، وأن الإقدام على الاكفار والتفسيق من غير بينة وعلى غير بصيرة إثم كبير، بينما التوقف فيهم ليس إقداما على محظور، وليس التوقف مذهبا وإن كان مذهب الهادي والقاسم والمنصور، وإنما الترضية، لأنا رضينا على من رضي الله ورسوله عليهم حيث قال فيهم الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإيمَان﴾.
إن مذهبنا الذي نحب أن نلقى الله ونحن عليه: أن الإمام بعد رسول الله - ﷺ- هو علي بن أبي طالب مع حسن الظن في الثلاثة الذين تولوا قبله، فما فعلوا ذلك جرأة على الله بل على سبيل الخطأ في النظر، وما خطؤهما في مخالفة النصوص بكبيرة ولا صغيرة لما اشتملت عليه النصوص من دقة وغموض، وما كان إقدامهم على مخالفة النصوص جرأة على الدين وأنهم يدخلون الجنة لما ورد فيهم من الأخبار.
ولقد قال الإمام المنصور: "إن أئمة الزيدية وعلماءها متابعون للجارودية، غير أن غرضه أنهم متابعون لهم في القول بالنص الخفي على علي لا فيما ورد عن أبي الجارود من تفسيق الصحابة فذلك ما لم يرد عن أحد من أئمة الزيدية".
وقال الهادي يحيى بن الحسين في كتاب الأحاكم: "من أنكر النص على أمير المؤمنين فقد كذب الله ورسوله ومن كذب الله ورسوله فقد كفر بالله ورسوله".
ولكن هذا القول من الهادي محمول على من أنكر قول الرسول - ﷺ-: "من كنت مولاه فعلي مولاه" وليس محمولا على الصحابة، وإلا فكتاب الأحكام محشو بالرواية عن الصحابة وعن أبي بكر وعمر ولو قد كفرهم أو فسقهم لما نقل عنه لأن الكافر أو الفاسق ساقط العدالة ولا يوثق بقوله. انتهى.
وبهذا النقل المطول يتضح أن أكثر أئمة الزيدية في اليمن على مذهب زيد في عدم الطعن في الصحابة ما عدا الكلام الذي سبق ذكره عن القاسم والهادي وقد اعتذر عن الهادي المؤيد بالله بما سبق ذكره عنه، والله أعلم.
[ ١ / ١١٠ ]
والثاني: أنهم يطعنون على أصحاب الحديث بعدهم، وقد صرح هذا الرجل المعترض بدامغه هذا، فقال: أصحاب الحديث حمال أسفار أو أسمار (^١).
وهم الواسطة بيننا وبين نبينا ولم يتصل (^٢) إلينا القرآن الذي هو أصل السنة إلا منهم.
والثالث: أن السنة فرع للقرآن لأن نبوة النبي - ﷺ- إنما ثبتت بثبوت معجزته ولا معجزة له فينا باقية إلى يوم القيامة إلا القرآن الذي هو كلام الله القديم (^٣).
_________________
(١) انظر: الدامغ الباطل ورقة ٢١/أ ولعل مراده بـ (الأسمار) القصص التي يسمر بها وهي في الغالب من نسج خيال القصاص.
(٢) في الأصل غير ظاهرة، وفي - ب - لم يكتبها، ولعلها كما ثبت.
(٣) إن كان المراد بـ القديم صفة لله جل وعلا فإن ذلك باطل وهي من أساليب أهل الكلام ولم يرد ذلك من أسماء الله وصفاته وإنما ورد تسميته جل وعلا (الأول) في قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. وإن كان مراده وصف القرآن بالقدم أي الأزلية فليس هذا من قول السلف في القرآن وإنما يقول السلف (قرآن كلام الله غير مخلوق) وعندهم أن صفة الكلام لله عزوجل قديمة النوع حادثة الأفراد وسيأتي مزيد إيضاح لذلك عند كلام المصنف على الكلام والقرآن. انظر: فصل رقم ٩٦ من هذا.
[ ١ / ١١١ ]
وإذا كان القرآن عند القدرية مخلوقا كسائر كلامهم لم يثبت فرعه، وهو السنة.
والرابع: أن المعروف منهم اجتناب النقل والرواية عن المشهورين بالنقل ولا عندهم كتب فيها سند صحيح كنحو الكتب المشهورة في الأمصار كالبخاري ومسلم (^١) والترمذي، وسنن أبي داود (^٢) وغير ذلك من التصانيف التي أجمع أئمة الأمصار على روايتها والاحتجاج بها وإنما عندهم خطب وكتب مزخرفة ينسبونها إلى أهل البيت وهم عنها (^٣) برءاء كما اشتهر عنهم من القول بخلافها، ومعتمدهم كلام المتكلمين في الأعراض والجواهر والأجسام (^٤).
والوجه الخامس: أن القدرية إذا روي لهم خبر عن النبي - ﷺ- عارضوه بخبر عن النبي - ﷺ- أنه قال: "ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله وعلى عقولكم فإن وافق ذلك وإلا فارموا به" (^٥).
وهذا الخبر ليس بصحيح لأنا لو عرضناه على كتاب الله لم نجد ما يوافقه ولو عرضنا الأخبار المروية عن النبي - ﷺ- في مواقيت الصلاة وأعداد
_________________
(١) الإمام الحافظ حجة الإسلام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابري صاحب الصحيح ولد سنة (٢٠٤ هـ) وتوفي سنة (٢٦١ هـ). تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٨، السير ١٢/ ٥٥٧.
(٢) الإمام الثبت الحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب السنن، ولد سنة (٢٠٢ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٥ هـ) بالبصرة. تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩١، السير ١٣/ ٢٠٣.
(٣) هكذا في الأصل وفي (ب).
(٤) تقدم التعريف بهذه الألفاظ. انظر: ص ٩٧.
(٥) لم أقف على من خرجه.
[ ١ / ١١٢ ]
الركعات وغير ذلك من الأحكام التي نقلت عن النبي - ﷺ- نقلًا متواترًا وأجمع العلماء عليها على كتاب الله أو على العقل لم نجد ما يوافقها (^١) فعلم بذلك أن هذا الخبر لا أصل له، وإنما دعاهم إلى ذلك عجزهم عن ضبط الأحاديث.
_________________
(١) يقصد بقوله (ما يوافقها) ما يدل عليها بتفاصيلها المعلومة أما المعلومة أما أصلها فموجود حيث أمر الله عزوجل بها وذكر بعض أركانها وشروطها كالوقت والطهارة والركوع والسجود وقراءة القرآن وملازمة الخشوع فيها، كما أمر أمرًا جازما باتباع النبي - ﷺ- بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فأوجبت هذه الآية اتباع النبي - ﷺ- في الصلاة وغيرها مما هو دين، قال الشافعي - ﵀: "وسنن رسول الله - ﷺ- مع كتاب الله وجهان: أحدهما: نص كتاب فاتبعه رسول الله - ﷺ- كما أنزل الله، الآخر جملة بين رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة وأوضح كيف فرضها عامًا أو خاصًا، وكيف أراد أن يأتي به العباد وكلاهما اتتبع فيه كتاب الله". وقال في موضع آخر: "إن سنة رسول الله إنما قبلت عن الله فمن اتبعها فبكتاب الله اتبعها ولا نجد خبرًا ألزمه الله خلقه نصًا بينا إلا كتابه ثم سنة نبيه". انظر: الرسالة ص ٩١ - ١٠٩.
[ ١ / ١١٣ ]