بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمد لله وحده
قال الشيخ الإمام الأوحد جمال الدين، مبطل حجج الزائغين، يحيى بن أبي الخير بن أسعد العِمْراني اليماني - قدس الله روحه - الحمد لله خالق الأشياء ومحكمها وموجد البرايا ومعدمها، وناقض العزائم ومبرمها، ولا شريك له في الخلق والتصوير، ولا شبه له في الفعل والتقدير، وسابق الأشياء في القدم، المنزه عن الخرس والصمم، وهادي المهتدين بفضله، وخاذل الضالين بعدله، والعالم بكل مظهر ومكنون، الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، الواحد الملك التواب غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، الموصوف بأكمل الصفات، المتعالي عن الوصف بالآفات. أحمده على إفضاله وإنعامه، وأشكره على نواله وإلهامه.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله للحق داعيا، وإلى الجنة هاديا، ختم به النبيين وأنزل عليه قوله الحق المبين، وجعله معجزة له في الأولين والآخرين، وشفى به صدور المؤمنين وجعله حجة على الضالين، فقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).
صلى الله عليه وعلى أهل بيته الأكرمين، وعلى صحابته وخلفائه الراشدين وسلم وكرم وشرف وعظم، وبعد.
فانتهى إليّ العلم بأنه قدم إلى قرية إبّ (^٢) رجل من ولاة القضاء بصنعاء ينتحل مذهب الزيدية والقدرية، لقبه أهله شمس الدين (^٣). فأظهر القول
_________________
(١) سورة الإسراء آية (٨٢).
(٢) إبّ: بفتح الهمزة وكسرها وهو الأشهر وتشديد الباء، من قرى ذي جبلة باليمن تقع جنوب العاصمة بنحو (١٤٠) كم وهي عاصمة اللواء الأخضر في منطقة زراعية خصبة تقع على سفح جبل يقال له (ريمان). انظر: معجم البلدان ١/ ٦٤، معجم المدن والقبائل اليمنية ص ٥.
(٣) هو القاضي: جعفر بن أحمد بن عبد السلام تقدمت ترجمته في قسم الدراسة عند ذكر سبب تأليف الكتاب.
[ ١ / ٨٩ ]
هنالك بأن العباد يخلقون أفعالهم وأن القرآن مخلوق، وغير ذلك من مذاهبهم، ودعا الناس إلى ذلك وسأل الناس المناظرة من أهل السنة.
فرأيت من الحق الواجب والفرض اللازب إنشاء رسالة ونصيحة إلى أهل السنة، فيها بيان مذهب أهل الحديث بخلق الأفعال وإثبات الإرادة وما تشعب عليهما، وجعلت افتتاحها ذكر الأخبار المروية عن النبي - ﷺ- بالتحذير عن القدرية، فلما وقف عليها هذا الرجل عبس وبسر، وغضب من ذلك ونفر، وصنف في الرد على ذلك كتابا سماه (الدامغ للباطل من مذاهب الحنابل) (^١)، أبان فيه خفي مقاتله بما ذكر من حججه ودلائله.
فقد قيل: من لم يطلع على دلائل خصمه لم يقدر على قطعه وقصمه. ومن نظر من المحققين في كتاب هذا القائل وتبين في معناه الحاصل سماه (الدامغ الباطل)، لأنه جعل كلامه فيه الأذى والشتيمة والجفاء، ولم يراع بنفسه منصب القضاء، ولا تأدب بآداب العلماء، الذين صنفوا الكتب الموضوعة للمخالفين في كل فن من العلوم أصولها وفروعها، فاعتمدوا فيها على ذكر المعاني الدقيقة بالألفاظ الحسنة الأنيفة، ولو كان له بصر بالقرآن لتأدب بما أدب الله به أنبياءه، قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٢) وقال لموسى وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (^٣).
لكنه سلك طريق أسلافه وأئمته من المعتزلة والقدرية (^٤) في الوقيعة والشتيمة لمن هو مبرأ مما رموهم به وهم الصحابة - ﵃ - وأصحاب الحديث فهم الداخلون تحت قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً﴾ (^٥)
_________________
(١) ذكر هذا الكتاب عبد الله الحبيشي في كتابه (مصادر الفكر الإسلامي في اليمن) ص ٩٨ وأحال على كتاب العمراني هذا. وسبق وصف المخطوط عند ذكر سبب تأليف الكتاب في الهامش.
(٢) سورة النحل آية (١٢٥).
(٣) سورة طه آية (٤٣ - ٤٤).
(٤) يأتي التعريف بهم ص ١٠٩.
(٥) سورة آل عمران آية (١١١).
[ ١ / ٩٠ ]
وتحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (^١).
ولا يلزم على قولي هذا افتتاحي الرسالة بذكر الأخبار المروية عن النبي - ﷺ- في القدرية ولا في الرد عليهم، فإن تلك مذمة واردة عن النبي - ﷺ- وعن الصحابة والعلماء ولقب لهذه الفرقة لا يسع أحد إنكارها (^٢)، بل كل فريق يرد ذلك عن نفسه بما أمكنه من التأويل، والله يعلم المفسد من المصلح.
وما أورده من الكلام السخف يدل على انقطاعه وقلة علمه بلا شك ولا ريب عند المحققين من أهل النظر، ولولا خشية دخول الشك والارتياب على من اطلع على كلامه أو بلغه ممن لا خبرة له بمذهب القدرية من أهل السنة لكان الإعراض عن الجواب من الصواب.
فقد روي عن النبي - ﷺ- أنه قال: "لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا كافرا أما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما الكافر فيقمعه كفره، وإنما أخاف عليهم منافقا عليم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون" (^٣). وليس يعرفهم إلا من استحكم معرفة أصول الدين الذي يعرف به الحق من الباطل وهم الحجة في كل عصر.
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (٥٧ - ٥٨).
(٢) يقصد المصنف هنا - أن افتتاحه رسالته التي كتبها نصيحة لأهل السنة عن أقوال القدرية بالأدلة الواردة في ذم القدرية والرد عليهم لا تدخل تحت الشتيمة والإيذاء الذي أنكره على المعتزلي لأن هذه أثار لا يسع أحدا إنكارها.
(٣) أخرجه الطبراني في الصغير عن علي - ﵁ - وقال: "لم يروه عن أبي إسحاق إلا عباد بن بشر ولا يروي عن علي إلا بهذا الإسناد". المعجم الصغير ٢/ ٩٣، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف جدا" ١/ ١٨٧، ولبعض هذا الحديث شاهد بسند صحيح، فقد أخرج. حم. من حديث عمر - ﵁ - مرفوعا: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" ١/ ٢٢ - ٤٤. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند: "إسناده صحيح". انظر: ١/ ٢١٧ - ٢٨٩، وأخرجه البزار عن عمر وعمران بن الحصين ﵄. كشف الأستار ١/ ٩٨. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عمران ﵁. المعجم الكبير ١٨/ ٢٣٧. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. المجمع ١/ ١٨٧.
[ ١ / ٩١ ]
وروي أن النبي - ﷺ- قال: "إن الله لاينزع العلم من صدور الرجال انتزاعا، ولكن يقبض العلماء فيتخذ الناس رؤوسًا جهالا فضلوا وأضلوا" (^١).
وقال النبي - ﷺ-: "لا يخلو عصر من قائم لله بحجة" (^٢).
وقال النبي - ﷺ-: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من لاوأهم" (^٣).
ومن المفترض على من عرفه الله طريق الرشد وأبان له سبيل الهدى إذا ظهرت بدعة في الدين أن يردها بما قدر عليه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (^٤) وقال الله تعالى لنبيه - ﷺ-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (^٥).
_________________
(١) أخرجه خ. كتاب العلم ب كيف يقبض العلم ١/ ٢٦، م. كتاب العلم ٤/ ٥٩، ٩٢. من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - نحوه.
(٢) لم أجد مرفوعًا، وإنما ورد عن علي - ﵁ - موقوفا عليه من وصيته لكميل بن زياد، فقد جاء فيها: "كذلك يموت العلم بموت حامله - اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة لئلا تبطل حجج الله وبيناته". أخرجه أبو نعيم في الحلية. ١/ ٨٠.
(٣) أخرجه خ. كتاب الاعتصام (ب. لا تزال طائفة من أمتي على الحق) ٩/ ٨٢، م. كتاب الإمارة ٣/ ١٥٢٣، من حديث المغيرة بن شعبة وغيره. وليس في شيء من الروايات التي اطلعت عليها قوله: (لاوأهم) وإنما روايات الحديث أكثرها تدور على ثلاثة ألفاظ: (خذلهم، خالفهم، ناوأهم).
(٤) سورة يوسف آية (١٠٨).
(٥) سورة النحل آية ١٢٥.
[ ١ / ٩٢ ]
وقد أخذ الله العهد على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، والعلماء ورثة الأنبياء (^١). قال علي - ﵁ -: "خرج النبي - ﷺ- يوما فقال: "اللهم ارحم خلفائي. قلنا له: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحفظون سنتي وأحاديثي ويعلمونها الناس" (^٢).
وروي عن النبي - ﷺ-: قال: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها من لم يسمعها" (^٣).
وقال - ﷺ-: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم" (^٤).
_________________
(١) قوله: "العلماء ورثة الأنبياء" هو من حديث أبي الدرداء، ويأتي تخريجه هامش (٤).
(٢) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (١٦٣)، وأخرجه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث ص ٣٠، عن علي - ﵁ - به وعزاه الهيثمي إلى الطبراني في الأوسط المجمع ١/ ١٢٦، وقال: "فيه أحمد بن عيسى الهاشمي قال الدارقطني: "كذاب". وقد ذكر الحديث الذهبي في الميزان وقال: "الحديث باطل". الميزان ٢/ ٦١٧.
(٣) أخرجه د. في العلم (ب. فضل نشر العلم من حديث زيد بن ثابت) ٢/ ١٢٦، ت في العلم (ب. الحث على تبيلغ السماع) من حديث زيد وعبد الله بن مسعود، وقال الترمذي: حديث زيد حسن وحديث عبد الله حسن صحيح. ٥/ ٣٤، وأخرجه جه. في المقدمة (ب. من بلغ علما) عن زيد وابن مسعود وجبير بن مطعم ١/ ٨٤، حم. عن ابن مسعود ١/ ٤٣٧، وعن أنس ٣/ ٢٢٥، وعن جبير بن مطعم ٤/ ٨٠. وجميع هذه الروايات لا توافق اللفظ المذكور هنا وإنما يوافقه رواية الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص ١١٦، وهي عن ابن عباس - ﵄ -. ومن أراد الاستزادة فليراجع كتاب شيخنا عبد المحسن بن حمد العباد - حفظه الله - باسم هذا الحديث، أثبت فيه تواتر الحديث وأنه روي عن أكثر من عشرين صحابيا.
(٤) أخرجه د. كتاب العلم (ب. الحث على طلب العلم) ٢/ ١٢٤، ت. كتاب العلم (ب. فضل العلم على العبادة) ٥/ ٤٨. جه. في المقدمة (ب. فضل العلم والعالم) ١/ ٩٨. كلهم من حديث أبي الدرداء ﵁. قال الترمذي: "ولا يعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة وليس هو عندي بمتصل" ثم قال: "وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم عن داود بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي. وهذا أصح". انتهى. وقد وصف الحديث بالاضطراب الذهبي في الميزان ونقل عن الدارقطني أنه قال في الحديث: "عاصم ومن فوقه ضعفاء ولا يصح". انظر: الميزان ٢/ ٥.
[ ١ / ٩٣ ]
وأدلة العلماء كمعجزات الأنبياء (^١).
ولم يزل العلماء يردون على القدرية أقوالهم ويبطلون استدلالهم ويكشفون تلبيسهم ويظهرون تدليسهم. وبذلك أخبر النبي - ﷺ- بقوله: "يحمل هذا العلم من خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" (^٢).
ولا تزول الشبه عن قلوب العامة إلا من حيث دخلت وقد كان النبي - ﷺ- يزيل الشبه من حيث علم دخولها.
روي أن رجلا أتى النبي - ﷺ- فقال: يا رسول الله إن امرأتي أتت بولد أسود ونحن أبيضان فعلم النبي - ﷺ- أن الشبهة قد دخلت عليه بولده، وأنه قد وقع عنده أن زوجته أتت به من غيره، ولو قال له النبي - ﷺ- هو ابنك الولد للفراش، لم تزل عنه الشبهة، فعدل عن ذلك وقال له: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال له: "هل فيها من أورق؟ " - والأورق ما لونه كلون الرماد - قال: نعم إن فيها لورُقا قال: "فأنى ترى ذلك؟ " قال: لعل عرقا نزعها؟ فقال - ﷺ-: "وهذا لعل عرقا نزعه .. " (^٣).
_________________
(١) معنى ذلك أن أدلة العلماء تقوم بها الحجة على الناس كما أن الحجة تقوم بمعجزات الأنبياء.
(٢) أخرج البزار. انظر: كشف الأستار ١/ ٨٦، وابن عدي في الكامل. انظر: ١/ ١٥٢، ٣/ ٩٠٢، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٥٩. كلهم من حديث أبي هريرة وابن عمر - ﵄ - من طريق خالد بن عمرو القرشي عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب. قال ابن عدي في ترجمة خالد بن عمرو: "وهذه الأحاديث رواها خالد عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب كلها باطلة". وعندي أن خالد بن عمرو وضعها على الليث. الكامل في الضعفاء ٣/ ٩٠٢. وقد أورد ابن عدي في الكامل ١/ ١٥٢ - ١٥٣ عدة طرق لهذا الحديث ولكنها طرق واهية. وذكر هذا الحديث ابن القيم في مفتاح دار السعادة فذكر طرقه وليس فيها طريق يخلو من مقال. انظر: مفتاح دار السعادة ١/ ١٦٥.
(٣) أخرجه خ. كتاب الطلاق (ب. إذا عرض بنفي الولد) ٨/ ٤٦، م. كتاب اللعان ٢/ ١١٣٧. كلهم من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٩٤ ]
فأزال عنه الشبهة من الوجه الذي يعلم أنه يفهمه.
وروي أن النبي - ﷺ- قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر"، فقال له أعرابي كالمعترض عليه: فما لنا نرى الإبل كالضباء فتكون النقبة بمشفر البعير فتجرب الإبل عن آخرها؟ فقال النبي - ﷺ-: "فما أجرب الأول" (^١). فقمعه بالحجة من حيث علم زوال الشبهة عنه، ولم يقتصر على قوله إن الله يخلق الداء.
وقد أدخلت المعتزلة (^٢)، والقدرية (^٣) على الإسلام وأهله شبها في الدين ليموهوا بها على العوام، ومن لا خبرة له بأصولهم التي بنوا عليها أقوالهم، فاتبعوا متشابه القرآن وأولوا القرآن على خلاف ما نقل عن الصحابة والتابعين المشهورين بالتفسير، لينفقوا (^٤) بذلك أقوالهم، فهم أشد الفرق ضرار على أصحاب الحديث، ثم بعدهم الأشعرية (^٥). لأنهم أظهروا
_________________
(١) أخرجه خ. كتاب الطب (ب. لا صفر ٧/ ١١١ وب. لا هامة) ٧/ ١١٧ - ١١٩، م. كتاب السلام (ب. لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر) ٤/ ١٧٤٢ من حديث أبي هريرة - ﵁ - وفي بعض ألفاظه زيادة قوله: "ولا طيرة".
(٢) سبق التعريف بهم في الدراسة.
(٣) هذا في النسختين بالعطف في جميع المواطن التي جمع فيها بين ذكر المعتزلة والقدرية في الكتاب، وقد جاءت بدون العطف في عنوان الكتاب وهو الصواب، لأن المعتزلة قدرية ويلقبون بكلا اللقبين، إلا أن يكون مقصود المؤلف - ﵀ - بالقدرية تلقيب الزيدية بهذا اللقب، لأن الكتاب في الرد على القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام الزيدي، وذكر المصنف للزيدية بهذا اللقب قليل جدا بل نادر في الكتاب والله أعلم.
(٤) أي ليروجوا، كقوله - ﷺ- في حديث أبي ذر - ﵁ -: "والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"، م. الإيمان ب (غلظ تحريم الأزار) ١/ ١٠٢.
(٥) الأشعرية هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري الذي كان معتزليًا ثم رجع عن الاعتزال وأخذ بقول ابن كلاب في العقيدة وألف فيها، ثم رجع بعد ذلك إلى عقيدة السلف وأصحاب الأثر في أظهر معالمها، وذكر في كتابه مقالات الإسلاميين عقيدة أصحاب الحديث، ثم ذكر عقبها أنه يقول بكل قولهم وهي التي أرودها أيضا في كتابه الأخير - الإبانة - حيث شرح فيه عقيدة الإمام أحمد - ﵀ - والأشعرية هم الذين تابعوه في قوله بقول ابن كلاب، وهم يثبتون لله سبع صفات، وهي: العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام - إلا أنهم يزعمون أنه كلام نفسي ويؤولون بقية الصفات الواردة في القرآن والسنة - كالعلو والاستواء والوجه واليدين والرضا والحب والغضب وغير ذلك. وهم من المرجئة في الإيمان لأنهم زعموا أنه التصديق فقط وأن الأعمال ليست منه، وسيأتي رد المصنف عليهم في عدة مواطن من الكتاب. انظر: ترجمة الأشعري في سير أعلام النبلاء ١٥/ ٨٥، البداية والنهاية ١١/ ٢١٠. وانظر: أقوال الأشعرية في الملل والنحل بهامش الفصل ١/ ١١٩ - ١٣٧، أصول الدين. ص ٩٠ - ٩٣ وص ٣٠٩ - ٣١٠ الفرق بين الفرق. ص ٣٣٤ رسالة في الذب عن أبي الحسن مطبوعة مع الأربعين في دلائل التوحيد. ص ١٠٧ - ١٣٢، أبو الحسن الأشعري وعقيدته. ص ٨ - ١٦، مقالات الإسلاميين ١/ ٣٤٥ - ٣٥٠.
[ ١ / ٩٥ ]
الرد على المعتزلة وهم قائلون بقولهم.
فاستخرت الله سبحانه على كشف تلبيسهم، وإظهار تدليسهم بهذا الكتاب، وجعلته فصولا كل فصل فيه يشتمل على ذكر فائدة منفردة ليقرب على قارئه أخذ الفائدة منه، وقدمت ذكر مذاهب أصحاب الحديث جملة، ثم الأصول التي بنى أصحاب الحديث أقوالهم عليها وبينت انسلاخ القدرية منها.
وأما الأصل الذي بنوا عليه أقوالهم فقد (^١) ذكرت الآيات والأدلة التي استدللت بها على خلق الله لأفعال العباد وعلى الإرادة والتعليل والتجويز (^٢) وما أورده هذا المعترض عليها بدامغه (^٣).
فأجبت عما ذكر من الأدلة، وتركت من كلامه ما لا فائدة تحته إلا الأذية، فقدمت الأهم منها فالأهم، ثم ذكرت بعد ذلك المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أصحاب الحديث والمعتزلة والقدرية والأشعرية وما حضرني من الأدلة من الكتاب والسنة التي نقلها أئمة الحديث في أصولهم المشهورة
_________________
(١) في الأصل غير واضحة وفي - ب - (قد) وصوابها (فقد).
(٢) يقصد بذلك ما ذكره في الرسالة التي أنشأها أولا فيها نصيحة أهل السنة وبيان مذهب أهل الحديث. انظر: ص ٨٩.
(٣) يقصد بذلك كتاب المعتزلي الذي وصفه المؤلف بأنه (الدامغ الباطل). انظر: ص ٨٩.
[ ١ / ٩٦ ]
- كالبخاري (^١)، والترمذي (^٢) ومحمد بن الحسين الآجري (^٣)، واللالكائي (^٤)، وغيرهم وحذفت ذكر الأسانيد طلبا للإيجاز ليخف حمله ويسهل حفظه لمن أراد مطالعته. والله أسأله أن يجعله خالصا لوجهه وينفعني والمسلمين به، آمين.
_________________
(١) أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري شيخ الإسلام، وإمام الحفاظ، صاحب الصحيح، المتوفى سنة (٢٥٦ هـ). انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٥٥.
(٢) أبو عيسى بن سورة الترمذي. الإمام المحدث القدوة صاحب السنن المتوفى سنة (٢٧٩ هـ). انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٣.
(٣) أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري. الإمام المحدث القدوة شيخ الحرم الشريف صاحب التواليف، ومنها كتاب (الشريعة) في السنة كان صدوقًا خيرا عابدا صاحب سنة وإتباع توفي سنة (٣٦٠ هـ) بمكة المكرمة. سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٣٣، والمراد هنا كتابه (الشريعة) لأنه المشهور من كتبه في العقيدة، وهو مطبوع بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ﵀.
(٤) الإمام أبو القاسم هبة الله الحسن بن منصور الطبراني الرازي. الحافظ الفقيه الشافعي محدث بغداد المتوفى سنة (٤١٨ هـ) بالدينور. تاريخ بغداد ١٤/ ٧٠، تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٨٣، البداية والنهاية ١٢/ ٢٦، والمراد هنا كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وقد طبع في أربع مجلدات وثمانية أجزاء بتحقيق: د. أحمد بن سعد حمدان الغامدي.
[ ١ / ٩٧ ]