الزيدية تميزت في أول ظهورها بمسألة الإمامة وأنهم يرونها كما تراها الشيعة الاثنى عشرية في علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين بن علي، ثم يختلفون عن الاثنى عشرية بأن الإمامة تثبت لكل من قام ودعا الخلق إلى طاعة الله تعالى وكان من ولد الحسن أو الحسين وهو جامع لخصال العدل والعلم فلهذا قالوا: بإمامة زيد بن علي بعد الحسين ولم يعدوا أباه زين العابدين ولا أخاه محمد الباقر ولا ابن أخيه جعفر الصادق من أئمتهم لأنهم لم يخرجوا ولم يدعوا لأنفسهم.
هذا ما تميز به الزيدية من الأقوال، وأما بقية أقوالهم في مسائل الاعتقاد فإنها مبنية على مذهب المعتزلة.
وعلاقة الزيدية بالمعتزلة ذكر أنها قديمة من أيام زيد بن علي، فقد ذكر الشهرستاني في الملل والنحل أن زيد بن علي أخذ الاعتزال عن واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة.
وهذا لم ينقل عن زيد بن علي بسند يطمأن إليه، كما أن الشهرستاني ذكر أن محمد الباقر اعترض على أخيه زيد في أخذه عن واصل لأن واصلا يرى أن عليا أخطأ في قتاله أهل الجمل وصفين وأن كلا الفريقين على خطأ.
وهذا وإن لم ينقل بسند صحيح فإن فيه دلالة على مانع صحيح يمنع زيدا من الأخذ عن واصل، والله أعلم.
ويظهر بعد هذا الالتقاء بين الزيدية والمعتزلة حيث ذكر الأشعري في مقالاته (١/ ١٥٤) خروج إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - ﵁ - في البصرة سنة خمس وأربعين ومائة أيام المنصور قال: وشخص عن البصرة في المعتزلة وغيرهم من الزيدية يريد محاربة المنصور ومعه عيسى بن زيد بن علي، فبعث إليه أبو جعفر بعيسى ابن موسى وسعد بن سلم فحاربهما إبراهيم حتى قتل، وقتلت المعتزلة بين يديه.
[ ١ / ٧٢ ]
فهذا يدل على الالتقاء بين الزيدية والمعتزلة، ولعل ما يقرب بينهما هو الخروج وذلك أن الزيدية يرون أنهم أحق بالإمامة، والمعتزلة يرون الخروج على الأئمة إذا جاروا.
ثم يظهر الالتقاء واضحا أكثر مع القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المتوفى عام (٢٤٠ هـ)، وذلك أنه أخذ الفقه عن علماء المذهب الحنفي، وأخذ عن شيوخ المعتزلة في وقته في الأصول، وله مؤلفات منها العدل والتوحيد (الصغير) والعدل والتوحيد (الكبير)، الأساس في علم الكلام وغير ذلك من الكتب (^١). ثم جاء بعد القاسم حفيده يحيى بن الحسين الملقب بالهادي، الذي استولى على اليمن وهو معتزلي كتب في الاعتزال كتبا كثيرة (^٢) فصار بعده الزيدية معتزلة لا يختلفون عن المعتزلة إلا في الإمامة.
قال الشيخ صالح المقبلي "كالزيدية في هذا الجبل من اليمن هم معتزلة في كل الموارد إلا في شيء من مسائل الإمامة وهي مسألة فقهية وإنما عدها المتكلمون من فنهم لشدة الخصام كوضع بعض الأشاعرة المسح على الخفين في مسائل الكلام … والمخالف في مثل هذه المسائل لا ينبغي أن يعد فرقة كما قال السيد الهادي بن إبراهيم الوزير - رحمه الله تعالى - وهو من أشد الناس شكيمة في مذهب الزيدية والتعصب لهم والرد على مخالفيهم فقال فيهم وفي المعتزلة: "وإنهما فرقة واحدة في التحقيق إذ لم يختلفوا فيما يوجب الإكفار والتفسيق) ذكر هذا في خطبة منظومتة التي سماها (رياض الأبصار) عدد فيها أئمة الدعاة من الزيدية وعلماءها وعلماء المعتزلة متوسلا بهم، فذكر الأئمة الدعاة من الزيدية، ثم علماء المعتزلة ثم علماء الزيدية
_________________
(١) انظر: كتاب الزيدية ص ١١٥ نقلا عن الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية لحميد المحلى ٢/ ١ مخطوط.
(٢) انظر: ثبت كتبه في مصادر الفكر الإسلامي في اليمن ص ٥٠٨ - ٥١٧، وانظر: النقول عنه في آرائه الكلامية كتاب الزيدية ص ١٤٥ - ١٨٧.
[ ١ / ٧٣ ]
من أهل البيت ثم من شيعتهم واعتذر عن تقديم المعتزلة على الزيدية بما لفظه: (وأما المعتزلة فقد ذكرت بعض أكابرهم وكراسي منابرهم، مع إجمال وإهمال إذ هم الأعداد الكثيرة والطبقات الشهيرة، ورأيت تقديمهم على الزيدية؛ لأنهم سادتها وعلماؤها فألحقت سمطهم بسمط الأئمة وذلك لتقدمهم في الرتبات، ولأنهم مشايخ سادتنا وعلماءنا القادات، وهذا الذي قال هو حقيقة الأمر في اتحاد هاتين الفريقتين كما لا يخفى على من صح أن يعد من أهل هذا الشأن، هذه كتبهم شاهدة بذلك، وإنما بعضهم يوافق هذا وبعضهم يوافق ذاك. فانظر كلام الإمام المنصور بالله في كتبه كلها، وكلام الإمام المهدي في كتبه، وكلام أبي طالب في كتبه كشرح البالغ المدرك والسيد ما نكديم والمؤيد بالله تجدها كلمات الجبائية بأعيانها مع تصريحهم بقولهم؛ المختار كلام شيخنا أبي علي أو أبي هاشم أو أبي رشيد أو غير ذلك، وكذلك كلام الهادي غالبه كلام أبي القاسم الكعبي وكذلك كلام يحيى بن حمزة موافق غالب أمره لأبي الحسين البصري ساير بسيره" (^١) انتهى. وبه ينتهي المراد من بيان تبني الزيدية لمذهب المعتزلة، وينتهي المراد من هذه الدراسة في هذا الفصل حيث تحدثنا فيه عن القدر والقدرية، وهما اللذان تعلق بهما عنوان الكتاب وأهم وأطول موضوعاته.
_________________
(١) العلم الشامخ ص ١٢.
[ ١ / ٧٤ ]