٢٠ - فصل
قال المخالف بكتابه المنقلب عليه: لو كانت أفعال العباد خلقًا لله سبحانه لم يحسن الأمر بشيء منها ولا النهي عنها ولا الذم ولا المدح ولا الثواب ولا العقاب، كما لا يحسن ذلك منه في ألوانهم وصورهم فثبت بذلك أن أفعالهم خلق لهم لأنه أمرهم بخلق شيء منها ومدحهم وأثابهم عليها، ونهاهم عن خلق شيء منها وذمهم وعاقبهم عليها.
والجواب أن نقول: هذا الإلزام لا يتوجه علينا الجواب عنه، وإنما يلزم ذلك المجبرة الذين نتبرأ عنهم (^١) ونرد عليهم، وقد بينا أن مذهب المعتزلة القدرية بمذهب المجبرة أليق (^٢)، ثم يقال لهذا المستدل: ولم قلت: إذا قلنا: إن أفعال العباد خلق لله لم يحسن الأمر منه بشيء ولا النهي عن شيء منها، وما المعنى المقتضي لذلك لنجيب عنه؟ فإن قال: كما لا يأمرهم بخلق ألوانهم وصفاتهم ويمدحهم ويذمهم ويعاقبهم ويثيبهم عليها.
قلنا: قد بينا الفرق بين الألوان والأفعال فلا معنى لإعادته (^٣).
ثم نقول له: وما حجتك ودليلك أن الله أمر العباد بخلق شيء من أفعالهم ومدحهم وأثابهم عليها ونهاهم عن خلق شيء منها وذمهم وعاقبهم عليها فهذا نفس الحكم المتنازع فيه لأن الخلق متسحيل من المخلوق، وما ننكر أن الذي أمر الله العباد به هو اكتساب شيء من الأفعال، ومدحوا وأثيبوا عليه ونهوا عن اكتساب أفعال وذموا وعوقبوا عليها، وجعل الله هذا الاكتساب علمًا على من أراد ثوابه أو عقابه، ولو جعل ألوانهم وصفاتهم سببًا أو علمًا للثواب والعقاب بأن يقول: من خلقته أبيض فهو علم على أنه
_________________
(١) هكذا في الأصل وهي كذلك في - ب - ولعل الصواب (منهم).
(٢) انظر: ص ١٦٥ في كلامه على الاستطاعة.
(٣) انظر: الفصل السابق.
[ ١ / ١٧٥ ]
من أهل الجنة ومن خلقته أسود فهو علم على أنه من أهل النار لم يخرجه ذلك عن الحكمة والعدل (^١) كما أنه جعل طول العمر سببًا وعلمًا لكثرة الأعمال التي يقع عليها الثواب والعقاب، وقصر العمر سببًا وعلمًا لقلة الأعمال التي يقع عليها الثواب والعقاب ولم يخرجه ذلك عن الحكمة والعدل.
_________________
(١) أفعال الله عزوجل كلها إنما تصدر عن حكمة بالغة عقلها من عقلها من عقلها وجهلها من جهلها، ولو قال الله عزوجل ما ذكر المصنف هنا من الافتراض فإنه لا يكون إلا لحكمة بالغة وعدل كامل وليس معنى هذا أنه يعذب أهل الصلاح والإيمان وينعم على أهل الكفر والفجور، فإن هذا ليس من الحكمة ولا العدل وقد نزه الله عزوجل نفسه من فعله فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ فنفى في هذه الآية المساواة بينهما ومن باب أولى نفي تعذيب الصالحين وتنعيم الكافرين.
[ ١ / ١٧٦ ]