٣ - فصل: الأصل الثاني الذي بنى عليه أصحاب الحديث أقوالهم: سنة رسول الله ﷺ.
وقد أمر الله العباد بطاعة رسوله - ﷺ- بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (^١). قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (^٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (^٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٥).
وأولى الناس بالعلم بسنة رسول الله - ﷺ- في أقواله وأفعاله وإقراره هم الصحابة جميعهم - ﵃ - شهد الله ورسوله لهم بالنزاهة مما رمتهم به القدرية وغيرهم من أهل البدع وطعنوا عليهم به.
وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (^٦) الآية. وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (^٧).
_________________
(١) الأنفال آية (٢٠).
(٢) النساء آية (٨٠).
(٣) النور آية (٥٤)
(٤) الأحزاب آية (٧١).
(٥) الحشر آية (٧).
(٦) الفتح آية (٢٩).
(٧) آل عمران آية (١١٠).
[ ١ / ١٠٥ ]
وقال النبي - ﷺ-: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (^١).
وقال النبي - ﷺ-: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" (^٢).
وقال النبي - ﷺ-: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة، قالوا: يا رسول الله من هي؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي" (^٣).
ولو علم الله قرنا أطهر وأطيب منهم لبعث فيهم النبي - ﷺ-، نزل القرآن بلغتهم وعلموا سبب نزوله ومواضع النزول وأخذوا ذلك من النبي - ﷺ- بلا واسطة بينهم وبينه، ونقلوا ذلك إلى من بعدهم من علماء التابعين وأخذوا
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٩١، وفي إسناده الحارث بن غصين وهو مجهول قال ابن عبد البر: "هذا إسناد لا تقوم به حجة لأن الحارث بن غصين مجهول، وذكر الألباني الحديث وقال: إنه موضوع"، وذكر روايات أخرى بمعناه، وذكر أنها موضوعة أيضا. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ٧٨ - ٨٥.
(٢) أخرجه ت. كتاب المناقب (ب. مناقب أبي بكر وعمر - ﵄ -) ٥/ ٦٠٩، حم ٥/ ٣٨٥/٤٠٢، والحميدي في مسنده ١/ ٢١٤، وابن أبي عاصم في السنة ٢/ ٥٤٥، كلهم من حديث حذيفة - ﵁ -، وحسن الحديث الترمذي، وصححه الألباني. انظر: الأحاديث الصحيحة ٣/ ٢٣٣.
(٣) أخرجه ت. كتاب الإيمان (ب. ما جاء في افتراق هذه المة ٥/ ٢٦، والحاكم في المستدرك كتاب العلم ١/ ١٢٩، من حديث عبد الله بن عمر - ﵁ - وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف. انظر: التقريب ص ٢٠٢، ولهذا قال الترمذي: هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه، وللحديث شواهد صحيحة، فقد رواه: ت. من حديث أبي هريرة وليس فيه قوله "قالوا يا رسول الله من هي ..؟ " وقال: "حديث حسن صحيح". السنن ٥/ ٢٥، د. كتاب السنة ٢/ ٢٥٩، من حديث أبي هريرة ومعاوية. إسناد حديث معاوية إسناد حسن، جه. كتاب الفتن (ب. افتراق الأمم ٢/ ١٣٢١، من حديث أبي هريرة وعوف بن مالك وفي إسناد حديث عوف، عباد بن يوسف الكندي قال في التقريب مقبول. التقريب ص ١٦٤. حم ٢/ ٣٣٢، من حديث أبي هريرة وفي ٣/ ١٢٠ - ١٤٥ من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، وفي ٤/ ١٠٢ من حديث معاوية ﵁. د ى. كتاب السير (ب. في افتراق الأمم ٢/ ٦٣٧ من حديث معاوية - ﵁ -، وألفاظ هذه الأحاديث مقاربة للفظ المذكور وفي بعضها اختصار.
[ ١ / ١٠٦ ]
منهم كأخذ كف عن كف، كابن المسيب (^١) وعروة بن الزبير (^٢) والحسن البصري (^٣) وابن سيرين (^٤).
ثم نقل التابعون ما أخذوه عن الصحابة إلى من بعدهم.
قال النبي - ﷺ-: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (^٥).
وأيد الله الدين بأئمة جمعوا السنن ودونوها وصنفوا كتبًا في أسماء الرواة وأنسابهم ومساكنهم ونخّلوا (^٦) عن طرائقهم في الدين، فميزوا العدل عن غير العدل عناية منهم في الدين لا للانتقاض (^٧) بل لميزوا النقل الصحيح عن غيره فكان أصحاب الحديث هم أهل السنة.
قال النبي - ﷺ-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة،
_________________
(١) الإمام شيخ الإسلام فقيه المدينة أبو محمد سعيد بن المسيب أجل التابعين ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر - ﵁ - وتوفي سنة (١٠٥ هـ) على خلاف فيه. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٥٦، السير ٤/ ٢١٨.
(٢) عروة بن الزبير بن العوام الإمام عالم المدينة أبو عبد الله القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة ولد في خلافة عثمان وتوفي سنة (٩٤ هـ). انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٦٢، السير ٤/ ٤٢١.
(٣) الإمام شيخ الإسلام الحسن بن أبي الحسن البصري سيد أهل زمانه علما وعملا ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر - ﵁ - وتوفي سنة (١١٠ هـ). تذكرة الحفاظ ١/ ٧١، السير ٤/ ٥٦٣.
(٤) محمد بن سيرين الإمام الرباني شيخ الإسلام مولى أنس بن مالك - ﵁ - ولد لسنتين من خلافة عثمان - ﵁ - وتوفي سنة (١١٠ هـ). تذكرة الحفاظ ١/ ٧٧، السير ٤/ ٦٠٦.
(٥) أخرجه خ. كتاب الشهادات ب. لا يشهد على شهادة جور إذا شهد ٢/ ١٥١٠، وفي كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ- الباب الأول ٥/ ٣، من حديث عمران - ﵁ -، م. كتاب فضائل الصحابة ب. فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ٤/ ١٩٦٤ من حديث عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وعمران بن الحصين ﵃.
(٦) في الأصل غير واضحة ولعلها كما أثبت وفي - ب - كتبها (تحموا).
(٧) في الأصل غير واضحة وأقرب ما يكون ما أثبت وكتبها في - ب - لا الانتقاص، والمراد أن أئمة الجرح والتعديل بينوا المعدلين والمجروحين ليس لرفعة أناس وانتقاص آخرين وإنما فعلوا ذلك ليميزوا الحق من الباطل بمعرفة العدل من غيره.
[ ١ / ١٠٧ ]
وكل بدعة ضلالة" (^١).
وقال عبد الله بن عمر: "من خالف السنة كفر" (^٢).
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (^٣) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ قال: "أهل السنة والجماعة"و﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ قال: "هم أهل البدع والضلالة" (^٤).
وقال سعيد بن جبير (^٥) في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (^٦) قال: "لزوم السنة والجماعة" (^٧).
_________________
(١) أخرجه ت. كتاب العلم (ب. ما جاء في الأخذ بالسنة ٥/ ٤٤. د كتاب السنة (ب. لزوم السنة ٣/ ٢٦١. جه في المقدمة (ب. اتباع سنة الخلفاء الراشدين ١/ ٥، دى. في المقدمة (ب. اتباع السنة ١/ ٤٤، حم. ٢/ ١٢٦/١٢٧. الحاكم في المستدرك. كتاب العلم ١/ ٩٦ كلهم من حديث العرباض بن سارية - ﵁ - وصحح الحديث الترمذي. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح وليس له علة"، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٩٥ بإسناده عن صفوان بن محرز القاري أنه سأل عبد الله بن عمر في السفر فقال: ركعتان من خالف السنة كفر. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٥٤ ونسبه إلى الطبراني في المعجم الكبير وقال: "رجاله رجال الصحيح"، ولم أجده في المطبوع. وذكره بدون إسناد السجزي في كتابه (الرد على من أنكر الحرف والصوت). انظر: ص ١٠٠.
(٣) آل عمران آية (١٠٧).
(٤) أخرجه عنه اللالكائي في السنة ١/ ٧٢ وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وأبي نصر السجزي في الإبانة والخطيب في تاريخه. الدر المنثور ٢/ ٢٩١.
(٥) سعيد بن جبير الوالبي مولاهم الكوفي الإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد قتله الحجاج بن يوسف الثقفي في شعبان سنة (٩٥ هـ)، وله ٤٩. وقيل: بضع وخمسون سنة. تذكرة الحفاظ ١/ ٧٦، سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٢١.
(٦) طه آية (٨٢).
(٧) أخرجه عنه اللالكائي في السنة ١/ ٧١، وأخرج ابن جرير بسنده إلى الربيع بن أنس نحوه. انظر: تفسير ابن جرير ١٦/ ١٩٥.
[ ١ / ١٠٨ ]