القضاءَ ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكًا يسدِّدُه» (^١).
وقال عبد الله بن مسعود: «كنَّا نتحدَّثُ أن السَّكينة تَنطِقُ على لسان عُمَر» (^٢).
وقال ابن مسعود: «إن للمَلَكِ لَمَّة (^٣)، وللشيطان لَمَّة، فلَمَّةُ المَلَك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق، ولَمَّةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحق» (^٤)، وهذا الكلام الذي قاله ابنُ مسعود هو محفوظٌ عنه، وربما رفعه بعضهم إلى النبي - ﷺ -، وهو كلامٌ جامعٌ لأصول ما يكونُ من العبد من علمٍ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٧٨) والترمذي (١٣٢٣) وابن ماجه (٢٣٠٩) من حديث أنس بإسنادٍ ضعيف، وقال الترمذي: «حسن غريب»، وصححه الحاكم (٤/ ٩٢)، وخرجه الضياء في «المختارة» (١٥٨٠). وروي من طريق أصح عند الترمذي (١٣٢٤)، وانظر: «علل الدارقطني» (١٢/ ٨٠)، ولم يفطن لوجه ذلك ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٣/ ٥٤٧) والألباني في «السلسلة الضعيفة» (١١٥٤).
(٢) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٩/ ١٦٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٤/ ١١١) بإسنادٍ فيه ضعف، وحسنه الهيثمي في «المجمع» (٩/ ٦٧). والمشهور روايته من قول علي - ﵁ -. أخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على «فضائل الصحابة» (٥٠، ٣١٠، ٤٧٠) وغيره من طرق كثيرة.
(٣) اللَّمَّة: الهَمَّة والخَطْرة تقع في القلب. «النهاية» (لمم).
(٤) أخرجه ابن المبارك (١٤٣٥) وأحمد (٨٥٩) كلاهما في الزهد بإسنادٍ حسن. وروي من وجه آخر فيه انقطاع عند أبي داود في الزهد (١٦٤). ورواه الترمذي (٢٩٨٨) والبزار (٢٠٢٧) وأبو يعلى (٤٩٩٩) وابن حبان (٩٩٧) وغيرهم مرفوعًا، والموقوف أصح. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢٢٢٤)، و«العلل الكبير» للترمذي (٦٥٤).
[ ٤٨ ]
وعمل، من شُعورٍ وإرادة.
وذلك أن العبد له قوةُ الشعور والإحساس والإدراك، وقوةُ الإرادة والحركة، وإحداهما أصلُ الثانية مستلزمةٌ لها، والثانية مستلزمةٌ للأولى ومكمِّلةٌ لها. فهو بالأولى يصدِّقُ بالحقِّ ويكذِّبُ بالباطل، وبالثانية يحبُّ النافعَ الملائمَ له ويبغض الضارَّ المنافي له.
والله سبحانه خلق عبادَه على الفطرة التي فيها معرفةُ الحقِّ والتصديقُ به، ومعرفةُ الباطل والتكذيبُ به، ومعرفةُ النافع الملائم والمحبةُ له، ومعرفةُ الضارِّ المنافي والبُغض له. فما كان حقًّا (^١) موجودًا صدَّقَت به الفطرة، وما كان حقًّا نافعًا عَرَفَته (^٢) الفطرةُ فأحبَّته واطمأنت إليه وذلك هو «المعروف»، وما كان باطلًا معدومًا كذَّبت به الفطرةُ فأبغضته وأنكرته (^٣)، قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
والإنسانُ كما سمَّاه النبي - ﷺ - حيث قال: «أصدقُ الأسماء الحارثُ وهمَّام» (^٤)، فهو دائمًا يَهُمُّ ويعمل، لكنه لا يعمل إلا لما يرجو منفعتَه أو دفعَ
_________________
(١) الأصل: «والفطرة فما كان حقا». وفي (ط): «بالفطرة ».
(٢) الأصل: «فاحبته». والمثبت من (ط) ظاهر الصواب.
(٣) الأصل: «فأبغضته الفطرة فأنكرته». ولعله من انتقال نظر الناسخ.
(٤) روي من مرسل أبي وهب الكلاعي والزهري ومكحول وعبد الوهاب بن بخت وعبد الله بن عامر اليحصبي، ومخارجُ هذه المراسيل جميعًا من الشام فلا تعتضدُ ببعضها، فربما آلت إلى مصدرٍ واحد، وهو الأشبه، ورفعه بعضهم ولا يصح. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (١١٧)، و«العلل» له (٢٤٥١)، و«الإصابة» (٧/ ٤٦١)، و«مفتاح دار السعادة» (١٥٢٤).
[ ٤٩ ]
مضرَّته، لكن قد يكونُ ذلك الرجاء مبنيًّا على اعتقادٍ باطل، إما في نفس المقصود فلا يكونُ نافعًا ولا ضارًّا، وإما في الوسيلة فلا تكونُ طريقًا إليه، وهذا جهل.
وقد يعلمُ أن هذا الشيء يضرُّه ويفعلُه، ويعلمُ أنه ينفعُه ويتركُه؛ لأن ذلك العلمَ عارَض ما في نفسه من طلب لذةٍ أخرى أو دفع ألمٍ آخر، فيكونُ جاهلًا ظالمًا حيث قدَّم هذا على ذاك.
ولهذا قال أبو العالية: «سألتُ أصحابَ محمدٍ - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، فقالوا: كلُّ من عصى الله فهو جاهل، وكلُّ من تاب قبل الموت فقد تاب مِن قريبٍ» (^١).
وإذا كان الإنسانُ لا يتحرَّك إلا لرجاءٍ (^٢)، وإن كان راهبًا خائفًا لم يسعَ في النجاة ولم يهرب من الخوف (^٣)، فالرجاءُ لا يكونُ إلا بما يُلْقَى في نفسه من الإيعاد بالخير الذي هو طلبُ المحبوب وفواتُ المكروه.
فكلُّ بني آدم له اعتقادٌ فيه تصديقٌ بشيءٍ وتكذيبٌ بشيء، وله قصدٌ وإرادةٌ لما يرجوه مما هو عنده محبوبٌ ممكنُ الوصول إليه، أو وجود
_________________
(١) أخرج شطره الأول ابن جرير (٦/ ٥٠٧) وابن المنذر (١٤٨٠).
(٢) (ف): «إلا راجيا».
(٣) (ط، ف): «لم يسع [إلا] في النجاة ولم يهرب [إلا] من الخوف». ولعل المصنف يريد الخوف المجرَّد من الرجاء في النجاة.
[ ٥٠ ]
المحبوب عنده أو دفع المكروه عنه، والله خلق العبد [ليصدِّق بالحقِّ] (^١) ويَقْصِدَ الخيرَ فيرجوه بعمله، فإذا كذَّب بالحقِّ فلم يصدِّق به ولم يَرْجُ الخيرَ فيقصِدُه ويعملُ له كان خاسرًا بترك تصديق الحقِّ وطلب الخير، فكيف إذا كذَّب بالحقِّ وكره إرادةَ الخير؟ فكيف إذا صدَّق بالباطل وأراد الشرَّ؟ !
فذكر عبد الله بن مسعودٍ أن لقلب ابن آدم لَمَّةً من المَلَك ولَمَّةً من الشيطان، فلَمَّةُ المَلَك تصديقٌ بالحق، [ولَمَّةُ الشيطان تكذيبٌ بالحقِّ] (^٢) وهو ما كان من جنس الاعتقاد الفاسد، وهو التكذيبُ بالحق، وإيعادٌ بالشرِّ وهو ما كان من جنس إرادة الشرِّ وطلب (^٣) وجوده، إما مع رجائه إن كان مع هوى النفس، وإما مع خوفه إن كان غير محبوبٍ لها، وكلٌّ من الرجاء والخوف مستلزمٌ للآخر.
فمبدأ العلم الحقِّ والإرادةِ الصالحة مِن لَمَّة المَلَك، ومبدأ الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة مِن لَمَّة الشيطان.
قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي: يخوِّفُكم أولياءه، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي
_________________
(١) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٢) أظنه سقط على الناسخ لانتقال نظره.
(٣) الأصل: «وظن». تحريف.
[ ٥١ ]