وتعظيمُ أئمَّة الأمة وعُمومها (^١) للسُّنة والحديث وأهله في الأصول والفروع من الأقوال والأعمال أكثرُ من أن يُذْكَر هنا.
وتجدُ الإسلامَ والإيمانَ كلما ظهَر وقَوِيَ كانت السُّنةُ وأهلُها أظهرَ وأقوى، وإن ظهَر شيءٌ من الكفر والنفاق ظهَرت البدعُ بحسب ذلك، مثل دولة المهديِّ والرشيد ونحوهما ممَّن كان يعظِّمُ الإسلامَ والإيمان ويغزو أعداءه من الكفَّار والمنافقين، كان أهلُ السُّنة في تلك الأيام أقوى وأكثرَ وأهلُ البدع أذلَّ وأقلَّ؛ فإن المهديَّ قتل [من] المنافقين الزَّنادقة من لا يحصي عددَه إلا الله، والرشيدَ كان كثير الغَزو والحجِّ (^٢).
وذلك أنه لما انتشرت (^٣) الدولةُ العباسية، وكان من أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائفُ من الذين نعتهم النبيُّ - ﷺ - حيث قال: «الفتنةُ هاهنا» (^٤) = ظهر حينئذٍ كثيرٌ من البدع، وعُرِّبت أيضًا إذ ذاك طائفةٌ من كتب الأعاجم من المجوس الفُرس والصابئين الرُّوم والمشركين الهند، وكان المهديُّ من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانًا وعدلًا وجُودًا، فصار (^٥)
_________________
(١) . (ط): «وعوامها»، وهو خطأ.
(٢) انظر: «منهاج السنة» (٨/ ٢٤٠).
(٣) امتدَّت. انظر: «المعجب في تاريخ المغرب» (١/ ٢٣)، و«تكملة المعاجم» لدوزي (١٠/ ٢٢١).
(٤) وأشار بيده نحو المشرق. أخرجه البخاري (٣٢٧٩) ومسلم (٢٩٠٥). وانظر: «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ١٦، ١٧)، و«مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٤٦).
(٥) الأصل: «صار».
[ ٣٢ ]
يتتبَّع المنافقين الزنادقة لذلك (^١).
وكان خلفاءُ بني العباس أحسنَ تعاهُدًا للصلوات في أوقاتها من بني أمية، فإن أولئك كانوا كثيري الإضاعة لمواقيت الصلاة (^٢)، كما جاءت فيهم الأحاديث أنه «سيكونُ بعدي أمراءُ يؤخِّرون الصلاةَ عن وقتها، فصلُّوا الصلاةَ لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلةً» (^٣).
لكن كانت البدعُ في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعةً، وكانت الشريعةُ أعزَّ وأظهر، وكان القيامُ بجهاد أعداء الدين من الكافرين والمنافقين أعظم.
وفي دولة أبي العباس المأمون ظهر الخُرَّمية (^٤) ونحوهم من المنافقين، وعُرِّبت (^٥) من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالاتُ الصابئين (^٦)، وراسَلَ ملوكَ المشركين من الهند ونحوهم
_________________
(١) الأصل: «كذلك». والمثبت أشبه بالصواب.
(٢) انظر: «منهاج السنة» (٨/ ٢٣٧، ٢٣٩).
(٣) أخرجه مسلم (٦٤٨) وأحمد (٢١٤١٧).
(٤) طائفة من الباطنية، أصحاب بابك الخرَّمي الذي قتله المعتصم سنة ٢٢٣. انظر: «الفرق بين الفرق» (٢٥١)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٤٧٣)، و«درء التعارض» (٥/ ١٨٥)، و«مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٨٣)، و«جامع المسائل» (٥/ ٤١).
(٥) (ط): «وعرب»، أي المأمون، وهي محتملة، وأثبت ما في الأصل.
(٦) انظر: «الرد على المنطقيين» (٣٧٤)، و«مجموع الفتاوى» (٢/ ٨٤، ١٢/ ٣١). قال الصفدي في «الغيث الذي انسجم» (١/ ٧٩): «حدثني من أثق به أن الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية - ﵀ - كان يقول: ما أظنُّ أن الله يغفلُ عن المأمون، ولا بدَّ أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها». وقبله قال الجويني في «غياث الأمم» (٢٨٣) بعد أن ذكر صنيع المأمون: «ولو قلتُ: إنه مطالبٌ بمغبَّات البدع والضلالات، في الموقف الأَهْوَل في العَرَصات، لم أكن مجازفًا».
[ ٣٣ ]