والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين، حتى حدثت فتنة ابن القُشَيري».
ثم بعد حدوث الفتنة وقبلها لا تجدُ من يمدحُ الأشعريَّ يمدحُه (^١) إلا إذا وافق السُّنة والحديث، ولا يذمُّه من يذمُّه إلا بمخالفة السُّنة والحديث.
وهذا إجماعٌ من جميع هذه الطوائف على تعظيم السُّنة والحديث، واتفاقُ شهاداتهم على أن الحقَّ في ذلك.
ولهذا تجدُ أعظمهم موافقةً لأئمة السُّنة والحديث أعظمَ عند جميعهم ممَّن هو دونه:
فالأشعريُّ نفسُه لمَّا كان أقربَ إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمَّة السُّنة كان عندهم أعظم من أتباعه.
والقاضي أبو بكر ابن الباقلاني لمَّا كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره.
وأما مثلُ الأستاذ أبي المعالي وأبي حامد (^٢) ونحوهما ممَّن خالفوا أصولَه (^٣) في مواضع، فلا تجدُهم يُعَظَّمون إلا بما وافقوا فيه السُّنة والحديث، وأكثرُ ذلك تقلَّدوه من مذهب الشافعيِّ في الفقه الموافق للسُّنة
_________________
(١) . الأصل: «بمدحة»، وهو محتمل، والمثبت أشبه بالصواب، بدلالة نظيره في قوله: ولا يذمه من يذمه.
(٢) . أبو المعالي الجويني وأبو حامد الغزالي.
(٣) . أصول أبي الحسن الأشعري.
[ ٢٨ ]
والحديث، وبما ذكروه في الأصول مما يوافق السُّنةَ والحديث وما ردُّوه مما يخالف السُّنةَ والحديث، وبهذا القَدْر ينتحلون السُّنةَ ويُنْحَلُونها، وإلا لم يصحَّ ذلك.
وكان الرافضةُ والقرامطةُ ــ علماؤها وأمراؤها ــ قد اسْتَظْهَرت في أوائل الدولة السَّلجُوقية حتى غَلَبت على الشام والعراق، وأخرجت الخليفةَ القائم ببغداد إلى تِكْريت وحبسوه بها في فتنة البَساسِيريِّ المشهورة (^١)، فجاءت بعد ذلك السَّلجُوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق، وقهروهم بخراسان، وحَجَرُوهم بمصر، وكان في وقتهم من الوزراء مثل نِظَام المُلك، ومن العلماء مثل أبي المعالي (^٢)، فصاروا بما يقيمونه من السُّنة ويردُّونه من بدعة هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمَّة بحسب ذلك.
وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقوه (^٣) كأبي الوليد الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي ونحوهما لا يُعَظَّمون إلا بموافقة السُّنة والحديث، وأما الأكابر مثل ابن حبيب وابن سَُحْنون (^٤) ونحوهما فلونٌ آخر.
_________________
(١) . سنة ٤٥٠. انظر: «تاريخ الإسلام» (٩/ ٦١٦)، و«البداية والنهاية» (١٥/ ٧٥٥).
(٢) . انظر: «جامع المسائل» (٥/ ٣٩٥).
(٣) . يعني أبا الحسن الأشعري.
(٤) . عبد الملك بن حبيب (ت: ٢٣٨)، ومحمد بن سحنون (ت: ٢٥٦). وهما من أئمة السنة المالكية الذين إليهم المرجع في الدين، ولهما في إثبات الصفات من الأقوال ما هو معروف. انظر: «التسعينية» (٢٠٣).
[ ٢٩ ]