الفَيض من العقل الفعَّال عند استعداد النفس لقبول الفَيض، وقد يزعمون أن العقل الفعَّال هو جبريل.
فأما قول القائلين: «إن ذلك بفعل الله» فهو صحيحٌ بناءً على أن الله هو مُعَلِّمُ كلِّ علمٍ وخالقُ كلِّ شيء، لكن هذا كلامٌ مجملٌ ليس فيه بيانٌ لنفس السبب الخاص.
وأما قول القائلين بالتولُّد فبعضه حقٌّ وبعضه باطل، فإن (^١) دعواهم أن الفعل (^٢) المتولِّد هو حاصلٌ بمجرَّد قدرة العبد باطلٌ قطعًا، ولكن هو حاصلٌ بأمرين: قدرة العبد والسبب الآخر، كالقوَّة التي في السَّهم والقبول الذي في المحلِّ، ولا ريب أن النظر هو سببٌ ولكن الشأن فيما به يتمُّ حصول العلم.
وأما زعمُ أولئك أنه بالعقل الفعَّال فمن الخرافات التي لا دليل عليها. وأبطلُ من ذلك زعمُهم أن ذلك هو جبريل، وزعمُهم أن كلَّ ما يحصُل في عالم العناصر من الصُّور الجِسمانية وكمالاتها فهو من فَيْضِه وسببه مِن أبطل الباطل، ولكن إضافتهم ذلك إلى أمورٍ رُوحانيَّةٍ صحيحٌ في الجملة؛ فإن الله ﷾ يدبِّر أمرَ السموات والأرض بملائكته التي هي السُّفراء في أمره، ولفظ «المَلَك» يدلُّ على ذلك، وبذلك أخبرت الأنبياء، وقد شهد الكتابُ والسُّنة من ذلك بما لا يتسعُ هذا الموضعُ لذكره، كما ذكره
_________________
(١) الأصل: «كان». تحريف.
(٢) (ط): «العلم». والمثبت من الأصل وهو الصواب. انظر: «مقالات الإسلاميين» (١/ ٤١٥).
[ ٥٣ ]
النبيُّ - ﷺ - في ملائكة الخَلْق (^١) وغيره، فأما تخصيصُ روحٍ واحدٍ متصلٍ بفَلَك القمر يكونُ هو ربَّ هذا العالم فهذا باطل، وليس هذا موضعَ استقصاء ذلك (^٢).
ولكن يُعْلَمُ أن المبدأ في شعور النفس وحركاتها هم الملائكةُ والشياطين، فالمَلَكُ يُلْقِي التصديقَ بالحقِّ والأمرَ بالخير، والشيطانُ يُلْقِي التكذيبَ بالحقِّ والأمرَ بالشر، والتصديقُ والتكذيبُ مقرون (^٣) بنظر الإنسان، كما أن الأمرَ والنهيَ مقرون بإرادته.
فإذا كان النظرُ في دليلٍ هادٍ ــ كالقرآن ــ وسَلِمَ من معارضات الشيطان تضمَّن ذلك النظرُ العلمَ والهدى، ولهذا أُمِرَ العبد بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند القراءة.
_________________
(١) خلق الإنسان في بطن أمه حين يُرْسَلُ إليه المَلَكُ فينفخ فيه الروح ويؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد. أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣). وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ١٤٨). ويحتمل أن يكون المراد الملائكة الذين يحفظون الخلق، انظر: «الإبانة» لابن بطه (٣/ ٣٣٩)، و«الدر المنثور» (٧/ ٤٢٩). وتصرَّف ناشر (ط) فجعل العبارة: «ملائكة تخليق الجنين».
(٢) انظر: «الرد على المنطقيين» (١٠٢، ٢٧٨، ٤٧٦ - ٥٢٠)، و«بغية المرتاد» (١٨٧، ٢٤١)، و«الصفدية» (١/ ١٥٦، ٢٠١)، و«درء التعارض» (٥/ ٣٨٤، ١٠/ ٢١٩)، و«الرد على الشاذلي» (٤٣، ٥٩، ١٣٢)، و«مجموع الفتاوى» (١١/ ٢٣٠). وانظر لنظرية العقل الفعال هذه عند الفلاسفة ومصدرها وآثارها ومظانها التعليق على «غاية المرام» للآمدي (٢٨٨).
(٣) كذا في الأصل في الموضعين، والجادة: مقرونان. وانظر ما سيأتي (ص: ١٩٧).
[ ٥٤ ]