الذي نقَضَه.
وهذا شأنُ كلِّ من وافق غيرَه على قياسٍ ليس هو في نفس الأمر بحقٍّ، وكان لأحدهما (^١) من النصوص في مواضع ما يخالفُ ذلك القياس، وهذا يسمِّيه الفقهاءُ في مواضعَ كثيرة: الاستحسان (^٢)، فتجدُ القائلين بالاستحسان الذي تركوا فيه القياسَ لنصٍّ خيرًا من الذين طَرَدُوا القياسَ وتركوا النصَّ.
ولهذا يروى عن أبي حنيفة أنه قال: «لا تأخذوا بمقاييس زُفَر، فإنكم إن أخذتم بمقاييسه حرَّمتم الحلالَ وحلَّلتم الحرام» (^٣)، فإن زُفَر كان كثيرَ الطَّرد لما يظنُّه من القياس مع قلَّة علمه بالنصوص (^٤).
_________________
(١) . الأصل: «أحدهما». والمثبت أقوم بالصواب.
(٢) . انظر: «جامع المسائل» (٢/ ١٤٣، ١٦٣ - قاعدة في الاستحسان).
(٣) . لم أقف عليه، ولم يذكره الكوثري في «لمحات النظر في سيرة الإمام زفر» على شدة تقصيه وسعة اطلاعه، ولا إخاله يصح، وثناء أبي حنيفة على زفر مستفيض، وكان يقول: «هو أقيسُ أصحابي». وأخرج ابن قتيبة في «مختلف الحديث» (١١٠) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٦٩٧) عن الشعبي قال: «إياكم والقياس، فإنكم إن أخذتم به حرمتم الحلال وأحللتم الحرام» فهل سبق ذهنُ المصنف إلى هذا؟ ونقل ابن تيمية كذلك (في المصادر التالية) عن أبي حنيفة قوله: «قياس زفر أقبح من البول في المسجد»، والمرويُّ في «المعرفة والتاريخ» ليعقوب بن سفيان (١/ ٦٧٣) ومن طريقه البيهقي في «المدخل إلى السنن» (٢٤٣): «من القياس قياسٌ أقبح » دون ذكر زفر.
(٤) . انظر: «جامع المسائل» (٣/ ٤١٣)، و«مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٢٤)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (٦٢٤)، و«زاد المعاد» (٥/ ٣٩٩). وفيما ذُكِر من قلة علم زفر بالنصوص نظر، فقد سمع الحديث من طائفة، وإنما لم تتسع الرواية عنه لأنه مات في الكهولة قبل أوان الرواية كما يقول الذهبي في «السير» (٨/ ٣٩)، وقال: «كان يدري الحديثَ ويتقنُه»، ونقل عن أبي نعيم الفضل بن دكين: كنت أمرُّ على زفر فيقول: تعال حتى أغربل لك ما سمعتَ. وذكره شيخ الصنعة يحيى بن معين فقال: «ثقة مأمون». وقال ابن حبان في «الثقات» (٦/ ٣٣٩): «كان متقنًا حافظًا قليل الخطأ، لم يسلك مسلك صاحبه في قلة التيقُّظ في الروايات». وناضل دونه ابن قطلوبغا في «الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة» (٤/ ٣١٣).
[ ٦٨ ]
وكان أبو يوسف نظرُه (^١) بالعكس، كان أعلمَ بالحديث منه.
ولهذا توجدُ المسائلُ التي خالفَ فيها زُفَرُ أصحابَه عامَّتُها قياسيَّة (^٢)، ولا يكونُ إلا قياسًا ضعيفًا عند التأمُّل، وتوجدُ المسائلُ التي يخالفُ فيها أبو يوسف أبا حنيفة واتَّبعه محمدٌ (^٣) عليها عامَّتُها اتبع فيها النصوصَ والأقيسةَ الصحيحة؛ لأن أبا يوسف رَحَل بعد موت أبي حنيفة إلى الحجاز، واستفاد من عِلْم السُّنن التي كانت عندهم ما لم تكن مشهورةً بالكوفة، وكان يقول: «لو رأى صاحبي ما رأيتُ لرجعَ كما رجعتُ» (^٤)؛ لعلمه بأن صاحبَه ما كان يقصدُ إلا اتباعَ الشريعة، لكن قد يكونُ عند غيره من عِلْم السُّنن ما لم يَبْلُغْه.
وهذا أيضًا حالُ كثيرٍ من الفقهاء بعضهم مع بعضٍ فيما وافقوه عليه من قياسٍ لم تثبت صحتُه بالأدلة المعتمدة، فإن الموافقة فيه تُوجِبُ طردَه، ثم
_________________
(١) . كذا بالأصل، وهو مستقيم، ويجوز أن تكون: نظيره.
(٢) . انظر بعض الأصول التي خالف فيها زفرُ أصحابَه في «تأسيس النظر» (٣٨ - ٤٧).
(٣) . محمد بن الحسن الشيباني.
(٤) . انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٤/ ١٧١)، ومختصر «اختلاف العلماء للطحاوي» للجصاص (٤/ ١٥٨).
[ ٦٩ ]