فليت شعري هل عقلُه هذا كان مصرَّحا بتقديمه في الشريعة المحمَّدية، فيكون من السبيل المأمور باتباعه، أم هو عقلُ مبتدعٍ جاهلٍ ضالٍّ حائرٍ (^١) خارجٍ عن السبيل؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وهؤلاء الاتحاديةُ وأمثالهم إنما أُتوا من قلَّة العلم والإيمان بصفات الله التي يتميَّز بها عن المخلوقات، وقلة اتباع السُّنة وطريقة السَّلف في ذلك، بل قد يعتقدون من التجهُّم ما ينافي السُّنة، تلقِّيًا لذلك عن متفلسفٍ أو متكلِّم، فيكونُ ذلك الاعتقادُ صادًّا لهم عن سبيل الله، كلما أرادت قلوبُهم أن تتقرَّب إلى ربها وتسلكَ الصراط المستقيم إليه وتعبدَه كما فُطِروا عليه وكما بلَّغَتْهم الرسلُ من علوِّه وعظمته= صَرَفَتْهم تلك العوائقُ المُضِلَّةُ عن ذلك.
حتى تجد خلقًا من مقلِّدة الجهمية يوافقُهم بلسانه، وأما قلبُه فعلى الفطرة والسُّنة، وأكثرُهم لا يفهمون النفيَ الذي يقولونه بألسنتهم، بل يجعلونه تنزيهًا مطلقًا مجملًا.
ومنهم من لا يفهمُ قول الجهمية، بل يفهمُ من النفي معنًى صحيحًا، ويعتقدُ أن المُثْبِتَ يثبتُ نقيض ذلك، ويسمعُ من بعض الناس ذِكْرَ ذلك.
مثل أن يفهمَ من قولهم: ليس بجهة، ولا له مكان، ولا هو في السماء، أنه ليس في جوف السموات. وهذا معنًى صحيح، وإيمانُه بذلك حقٌّ، ولكنْ يظنُّ أن الذين قالوا هذا النفيَ اقتصروا على ذلك، وليس كذلك، بل مرادُهم أنه ما فوق العرش شيءٌ أصلًا، ولا فوق السموات إلا عدمٌ محض، ليس
_________________
(١) . الأصل: «جائر»، وهو محتمل، والمثبت من (ط) أشبه.
[ ٨٤ ]
هناك إلهٌ يُعْبَد، ولا ربٌّ يُدْعى ويُسْأل، ولا خالقٌ خلقَ الخلائق، ولا عُرِجَ بالنبيِّ إلى ربِّه أصلًا. هذا مقصودهم (^١).
وهذا هو الذي أوقع الاتحادية في قولهم: هو نفس الموجودات (^٢)، إذ لم تجد قلوبهم موجودًا إلا هذه الموجودات إذا لم يكن فوقها شيءٌ آخر، وهذا من المعارف الفطرية الشُّهودية الوجودية أنه ليس إلا هذا الوجودُ المخلوقُ أو وجودٌ آخر مباينٌ له متميِّزٌ عنه، لا سيَّما إذا علموا أن الأفلاك مستديرةٌ وأن الأعلى هو المحيط، فإنهم يعلمون أنه ليس إلا هذا الوجودُ المخلوق أو موجودٌ فوقه، فإذا اعتقدوا مع ذلك أنه ليس هناك وجودٌ آخر ولا فوق العالم شيءٌ، لزم أن يقولوا: هو هذا الوجودُ المخلوق، كما قال الاتحادية.
وهذه بعينها حجةُ الاتحادية.
وهذا بعينه مَشْرَبُ قُدَماء الجهمية وحُدَثائهم (^٣)، كما يقولون: هو في كلِّ مكان، وليس هو في مكان، ولا يختصُّ بشيء. يجمعون دائمًا بين القولين المتناقضين؛ لأنهم يريدون إثبات موجودٍ، وليس عندهم شيءٌ فوق العالم، فتعيَّن أن يكون هو العالمَ أو يكون فيه، ثم يريدون إثباتَ شيءٍ غير
_________________
(١) . انظر: «التسعينية» (١٩٢، ١٩٤).
(٢) . انظر: «جامع المسائل» (٤/ ٤١٧)، و«المستدرك على الفتاوى» (١/ ٣٧).
(٣) . انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ١٥١، ٤/ ٥٥٨، ٥/ ٣٥)، و«الرد على الشاذلي» (١٦٩، ١٧٤)، و«بغية المرتاد» (٣٥٠، ٤١١)، و«مجموع الفتاوى» (٢/ ٤٦٦، ٥/ ٢٧٢، ١٣/ ١٥٠).
[ ٨٥ ]
المخلوق فيقولون: ليس في العالم كما ليس خارجًا عنه، أو يقولون: هو وجودُ المخلوقات دونَ أعيانها، أو يقولون: هو الوجود المطلق، فيتشابهون فيما ينفونه (^١)، إذ كانت قلوبهم متشابهةً في النفي والتعطيل، وهو إنكارُ موجودٍ حقيقيٍّ مباينٍ للمخلوقات عالٍ عليها، وإنما يفترقون فيما يثبتونه.
ويُكْرِهُون فِطَرهم وعقولهم على قبول المحال المتناقض:
* فيقولون: هو في العالم وليس هو فيه، أو هو العالم وليس إيَّاه.
* أو يغلِّبون الإثبات، فيقولون: بل هو نفس الوجود.
* أو النفي، فيقولون: ليس في العالم ولا خارجًا عنه.
* أو يَدِينُون بالإثبات في حالٍ وبالنفي في حال، إذا غلبَ على أحدهم عقلُه غلَّب النفيَ وهو أنه ليس في العالم، وإذا غلبَ عليه الوَجْدُ والعبادةُ رجَّح الإثباتَ وهو أنه في هذا الوجود أو هو هو.
لا تجدُ جهميًّا إلا على أحد هذه الوجوه الأربعة، وإن تنوَّعوا فيما يثبتونه ــ كما ذكرته لك ــ فهم مشتركون في التعطيل (^٢).
وقد رأيتُ منهم ومِن كتبهم وسمعتُ منهم وممَّن يخبرُ عنهم من ذلك ما شاء الله، وكلُّهم على هذه الأحوال ضالُّون عن معبودهم وإلههم وخالقهم، ثم رأيتُ كلام السَّلف والأئمة كلهم يصفونهم بمثل ذلك، فمنَّ الله علينا باتباع سبيل المؤمنين وآمنَّا بالله وبرسوله.
_________________
(١) . الأصل: «فيثبتون ما يثبتونه». وهو تحريف.
(٢) . انظر: «الصفدية» (١/ ٢٦٣)، و«مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٩٨).
[ ٨٦ ]
وكلُّ هؤلاء تجدُ نفسَه مضطربةً في هذا الاعتقاد؛ لتناقضه في نفسه، وإنما يُسَكِّنُ بعضَ اضطرابه نوعُ تقليدٍ لمعظَّم عنده، أو خوفُه من مخالفة أصحابه، أو زعمُه أن هذا مِن حُكم الوهم والخيال دون العقل.
وهذا التناقض في إثبات هذا الموجودِ الذي ليس بخارجٍ عن العالم ولا هو العالم، الذي تردُّه فِطَرهم وشُهودهم وعقولهم، غيرُ ما في الفطرة من الإقرار بصانعٍ فوق العالم، فإن هذا إقرارُ الفطرة بالحقِّ المعروف، وذاك إنكارُ الفطرة للباطل (^١) المنكر.
ومن هذا الباب ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي في حكايته المعروفة أن الشيخ أبا جعفر الهمَذاني حضر مرَّةً والأستاذ أبو المعالي يذكُر على المنبر: «كان اللهُ ولا عَرْش»، ونفى الاستواء، على ما عُرِفَ من قوله، وإن كان في آخر عمره رجَعَ عن هذه العقيدة ومات على دين أمِّه وعجائز نيسابور.
قال: فقال الشيخ أبو جعفر: يا أستاذ، دعنا مِن ذِكْر العرش ــ يعني لأن ذلك إنما جاء في السَّمع ــ، أخبِرْنا عن هذه الضرورة التي نجدُها في قلوبنا، ما قال عارفٌ قطُّ: «يا الله» إلا وجدَ من قلبه معنًى يطلبُ العلوَّ لا يلتفتُ يمنةً ولا يَسْرَة، فكيف ندفعُ هذه الضرورة عن قلوبنا؟ ! فصَرخَ أبو المعالي، ووضع يده على رأسه، وقال: حيَّرني الهمذاني ــ أو كما قال ــ، ونَزَل (^٢).
فهذا الشيخُ تكلَّم بلسان جميع بني آدم، فأخبرَ أن العرشَ والعلمَ
_________________
(١) . الأصل: «بالباطل». من سهو الناسخ.
(٢) . تقدم الكلام على الحكاية (ص: ٦٦).
[ ٨٧ ]