لا يمكن في هذه الورقات أن نستوعب القول أو نقاربه في منهج شيخ الإسلام في كتابه، وحسبنا أن نلمح إلى بعض المعالم والصُّوى بإشارات كاشفة.
فمن معالم منهجه في الكتاب:
* الاختصار، والإحالة. فقد بنى الكتاب عليهما، وصرَّح بذلك في فاتحته فقال: «هذه المسائل بسطُها يحتمل مجلَّدات، لكن نشيرُ إلى المهمِّ منها»، ومن قرأ تصانيف الشيخ - ﵀ - رآه كالسيل الزاعِب تتزاحم في صدره الأفكار والمحفوظات تستبقُ الخروج، وهو يكبحُ جماحها حينًا باختصار القول وحينًا بالإحالة على مواضع أخرى بسط فيها ما يريد (^١).
فمن ذلك حين ذكر بعض الآثار في بيان طريقة السلف في باب أسماء الله وصفاته، ثم قال (ص: ١٠): «ولو ذهبنا نذكرُ ما اطَّلعنا عليه من كلام السَّلف في ذلك لخرجنا عن المقصود في هذا الجواب».
وذكر نحو هذا في مواضع كثيرة (ص: ٣٦، ٤٠، ٤٧، ٥٤، ٦٠، ٧١، ٨٢، ١٠٢، ١١٢) وغيرها.
_________________
(١) من اللطائف قول السيوطي في «الإكليل» (٥٩١) عند قوله ﷿: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾: «وفي الآية أصلٌ لما يفعله المصنِّفون من الإحالة على ما ذُكِر في مكانٍ آخر والتنبيه عليه».
[ ٣١ ]
* العدل مع المخالف وجداله بالتي هي أحسن. وهذا شأنه في عامة أمره. ومن كلامه في كتابنا قوله (ص: ٢٣٥) في جواب من اعترض بكلام ابن الجوزي الذي ذمَّ به بعض الحنابلة في باب إثبات الصفات: «وسنتكلَّم على هذا بما ييسِّره الله، متحرِّين للكلام بعلمٍ وعدل».
وقرَّر القاعدة في هذا فقال (ص: ١٥٩): «والمناظرة والمحاجَّة لا تنفعُ إلا مع العدل والإنصاف».
وعندما حكى قول ابن الجوزي عن بعض الحنابلة: «ومثل هؤلاء لا يُحَدَّثون، فإنهم يكابرون العقول، وكأنهم يُحَدِّثون الأطفال» قال (ص: ٢٦٠): «هذا الكلام ليس فيه من الحجَّة والدَّليل ما يستحقُّ أن يخاطَبَ به أهلُ العلم، فإن الردَّ بمجرَّد الشَّتم والتهويل لا يعجزُ عنه أحد، والإنسانُ لو أنه يناظِرُ المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يذكر من الحجَّة ما يبيِّن به الحقَّ الذي معه والباطل الذي معهم».
ومِن عدله وإنصافه قوله عن الآمدي لما ذكر فتوى ابن الصلاح بعزله عن التدريس وانتزاع المدرسة العزيزية منه (ص: ٢٦٧): «مع أن الآمديَّ لم يكن أحدٌ في وقته أكثرَ تبحُّرًا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان مِن أحسنهم إسلامًا وأمثَلهم اعتقادًا».
وانظر نماذج أخرى من عدله مع المخالفين في (ص: ١٧ - ٢١، ٢٨ - ٣١، ٧٦).
* الإنصاف من النفس. كاعترافه بما عند بعض المنتسبين إلى السلف وأهل الحديث من الغفلة وقلة التثبت في النقل ووضع النصوص في غير
[ ٣٢ ]
موضعها، بقوله (ص: ٣٧): «ولا ريب أن هذا موجودٌ في بعضهم، يحتجُّون بأحاديثَ موضوعةٍ في مسائل الأصول والفروع وبآثارٍ مفتعلةٍ وحكاياتٍ غير صحيحة، ويذكُرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، وربَّما تأوَّلوه على غير تأويله ووضعوه على غير موضعه».
وكذلك في (ص: ٢٠٢ - ٢٠٣، ٢٠٧ - ٢٠٨).
* كثرة استشهاده واحتجاجه بالآي وصحيح الحديث. ففي الكتاب على اختصاره أكثر من مئتي آية، ونحو مئة حديثٍ من الصحيحين.
* استقراء التاريخ لتتبع نشأة الأقوال والمذاهب والبدع، ومواقف السلف منها، والاستعانة به على تمييز الأقوال في تفسير النصوص.
وشواهد ذلك في (ص: ٢٣، ٢٧، ٢٩، ٣٢ - ٣٦، ١١٧، ٢٢٦ - ٢٢٧).
* تحرير الألفاظ الاصطلاحية ومراد أهلها وما يدخلها من الاشتراك والإجمال. كما في (ص: ١٧٣ - ١٧٤، ٢٠٩ - ٢١٠، ٢١٣ - ٢١٤) وغيرها.
* سعة اطلاعه ووقوفه على تصانيف لم يقف عليها كثيرٌ من معاصريه وأهل زمانه. ككتاب أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي «الفصول في الأصول عن الأئمَّة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفُضول»، وانظر ما علقته هناك (ص: ٢٤٥ - ٢٤٦)، وعن كتاب «تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة» لابن درباس (ص: ١٣٠).
* ذكره بعض ما وقع له، مما يدخل في السيرة الذاتية، كمناظراته، وقد حكى منها طرفًا (ص: ٤٠ - ٤١، ١١٨ - ١١٩)، وكسماعه التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب حتى صار يفهم كثيرًا من كلامهم العبري (ص: ١٦٢).
[ ٣٣ ]
* كتابته من حفظه. وهو الغالب على تآليفه (^١). ولذا يورد بعض الآثار والأقوال ويقول: «أو نحو هذا الكلام» «أو ما يشبه هذا»، كما في (ص: ٦٢، ١٤٥)، وربما شكَّ في عزو بعضها إلى فلان أو فلان، كما في (ص: ٧٢).
وأختم هذا المبحث برأي الأستاذ عباس محمود العقاد في ابن تيمية ومنهجه في الرد على المنطق، فقد قرأ كتابنا هذا ومختصر السيوطي لكتاب «الرد على المنطقيين» ونقل عنهما، ومما قال: «ومن نظر في كتب ابن تيمية التي ناقض بها أدعياء المنطق، وعشَّاق الجدل، علم أنه كان بصدد إنشاء منطقٍ صحيح وهداية إلى تطبيق أصول المنطق القويم ، ومِن إحاطة هذا الإمام الثَّبْت بفنون البحث أنه يستقصيه إثباتًا ونفيًا في كل بابٍ من أبوابه، وعلى كلِّ منهجٍ من مناهجه، سواء منها ما شاع في عصره وما ندر في ذلك العصر وشاع في الزمن الأخير ، وما كان ابن تيمية بالذي يُظَنُّ أنه يعادي المنطقَ لأنه يجهله ويستخفُّ به مداراةً لعجزه عنه؛ فإن معرفته به ظاهرةٌ في مَعارِض قوله، كأنه من زمرة المتخصصين له والمتفرغين لدراسته وحِذْق أساليبه» (^٢).
* * * *
_________________
(١) قال صاحبه ابن رشيق: «يكتب من حفظه من غير نقل»، وقال ابن عبد الهادي: «أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثير منها صنفه في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب». «العقود الدرية» (٣٧، ١٠٨).
(٢) «التفكير فريضة إسلامية» (٢٩ - ٣٧).
[ ٣٤ ]