تأليف: عبد المحسن بن حمد العباد البدر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل في محكم التنزيل ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾، أحمدُه ولا أحصي ثناءً عليه، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده، لا شريك له في ربوبيَّته وألوهيَّته وأسمائه وصفاته، ربُّ العالَمين، وإله الأوَّلين والآخرين، وقيُّوم السموات والأرضين، ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، الذي بلَّغ البلاغ المبين، فدلَّ أمَّته على كلِّ خير، وحذَّرها من كلِّ شرٍّ، وقال: "تركتكم على البيضاء، ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلاَّ هالك"، اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وعلى أزواجه وذريَّته وسائر أهل بيته المطهَّرين، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين أهل العلم والإيمان والصدق والإحسان، وعلى كلِّ مَن جاء بعدهم قائلًا: ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًاّ للَّذين آمنوا ربَّنا إنَّك رؤوف رحيم.
أمَّا بعد، فقد نبت في هذا الزمان في أقصى جنوب هذه البلاد نابتةٌ تسلَّق أسوارَ العلم، وأتى بيوتَه من غير أبوابها، فقفى ما ليس له به علم، وخَبَط في العلم خَبْطَ عَشواء، وحَمَلَ على أهل السُّنَّة والحديث منذ عهد الصحابة وحتى زماننا حَمْلة شعواء، وهذا النابتةُ حسن بن فرحان المالكي، نسبة إلى بني مالك في أقصى جنوب المملكة، وإنَّما قلت: "نسبة إلى بني مالك"؛ لئلاَّ يظنَّ ظانٌّ نسبتَه إلى مذهب الإمام مالك، أحد أئمَّة أهل السُّنَّة، فإنَّه ليس من أهل السُّنَّة، بل هو من الموغلين في البدع، المحاربين لأهل السنَّة، وقلت: "في أقصى جنوب المملكة"؛ لئلاَّ يُتوهَّم نسبته إلى بني مالك الذين ذُكِر أنَّ نسبَهم يرجع
[ ٥ ]
إلى بَجيلة، ومنازلهم قريبةٌ من الطائف؛ لأنَّ ظنَّ نسبته إليهم مع خبثه وسوء معتقده لا شكَّ أنَّه يسوؤهم، وأمَّا الذين في الجنوب فهو وإن كان منهم فإنَّ نسبتَه إليهم لا تضرُّهم؛ لأنَّه لا تزر وازرةٌ وزر أخرى، وقد ذكر هذا النابتة في آخر أحد كتبه السيِّئة أنَّ ولادَتَه سنة (١٣٩٠هـ)، وهذه السنة هي التي تلي سنة وفاة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، مفتي البلاد ورئيس قضاتها (قبل إنشاء وزارة العدل)، ورئيس الكليَّات والمعاهد العلمية (التي أُطلق عليها فيما بعد جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)، ورئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة، وقد أرَّختُ سنة وفاته ﵀ بكلمات على صيغة دعاء بحِساب الحروف، وذلك بقولي: "جُد جوادُ واغفر لي وله"، وذلك فيما كتبته عنه وعن الملك فيصل بعنوان: "عالِم جِهبذ ومَلِك فذ"، وكان ﵀ سدًّا منيعًا في وجه أهل الباطل؛ وذلك لهيبته العظيمة وهمَّته العالية وقوَّته في الحقِّ وصرامته فيه وحراسته الدِّين في هذه البلاد، وهذا النابتة من الدجَّالين الذين ظهروا بعد زمانه.
وهذا الرَّجل العظيم من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأسرةُ الشيخ الإمام من قبيلة بني تَميم، الذين أخبر الرسول ﷺ أنَّهم أشدُّ أمَّته على الدجَّال، أخرجه البخاري (٢٥٤٣)، وكما كانت هذه القبيلة في آخر الزمان أشدَّ الناس على الدجَّال الأعظم، فإنَّ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأبناءَه وأحفادَه وتلاميذه وتلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم مِن أشدِّ الناس على الدجَّالين، الذين يأتون في أزمانهم، مثل هذا المالكي ومَن كان على شاكلته من أهل الزيغ والضلال.
وقد كَرَع هذا النابتةُ في مستنقعات أهل البدع، وعبَّ منها ما شاء الله أن
[ ٦ ]
يَعُب، واطَّلع على ما أمكنه الاطِّلاعُ عليه من كتب أهل السُّنَّة لالتقاط الأخطاء وتصيُّد المثالب، ثم تقيَّأ ذلك كلَّه في أوراق سَمَّاها بحوثًا.
ومن أقبح ما تقيَّأه بحثه المزعوم الذي سَمَّاه"قراءة في كتب العقائد - المذهب الحنبلي نموذجًا"، وقد شحنه بالهذيان والأباطيل في ذمِّ أهل السُّنَّة والثناء على المبتدعة، وسأشير هنا إلى جملة من تلك الأباطيل، ذاكرًا بعدها رقم المبحث الذي وردت فيه من هذا الرد.
فمِن ذلك زعمه أنَّ مصطلحَ العقيدة مبتدَع (٦)، وقدحه في كتب أهل السُّنَّة في العقيدة (٧)، وزعمه الاكتفاء بإسلام لا يُتعرَّض فيه لجزئيات العقيدة؛ لأنَّ ذلك بزعمه يُفرِّق المسلمين (٨)، وثناؤه على أهل البدع وقدحه في أهل السُّنَّة (٩)، وقدحه في أفضليَّة أبي بكر ﵁ وأحقيَّته بالخلافة (١١)، وقدحه في خلافة عمر وعثمان ﵄ (١٢)، وقدحه في أحاديث صحيحة بعضها في الصحيحين (١٤)، وزعمه أنَّ المعوَّل عليه في النصوص ما كان قطعيَّ الثبوت قطعيَّ الدلالة فقط (١٥)، وزعمه أنَّ أهل السُّنَّة مجسِّمة ومشبِّهة (١٦)، وثناؤه على المأمون الذي نصر المبتدعة وآذى أهلَ السُّنَّة وذمُّه للمتوكِّل الذي نصر السنَّة وأنهى المحنة (١٨)، وتشكيكه في ثبوت السنَّة والإجماع، وزعمه أنَّ أهل السُّنَّة يُزَهِّدون في التحاكم إلى القرآن مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرِّجال (٢٤)، وزعمه أنَّ أهل السُّنَّة يُزهِّدون في كبائر الذنوب والموبقات (٢٥)، وزعمه أنَّ أهل السُّنَّة يتساهلون مع اليهود والنصارى مع التشدُّد مع المسلمين (٢٦)، وزعمه أنَّ قاعدةَ (اتِّباع الكتاب والسنَّة بفهم سلف الأمَّة) باطلةٌ وأنَّها بدعة (٢٧)، وزعمه أنَّ تقسيم التوحيد إلى ربوبيَّة وألوهيَّة تقسيمٌ مبتدَع (٢٨)، وتشنيعه على الإمام أحمد في
[ ٧ ]
مسألة التكفير (٢٩)، ورميه أهل السُّنَّة بالنَّصب وزعمه أنَّ ابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير نواصب (٣٠) .
والله يعلم أنِّي كارهٌ لإيراد كلامه في هذه الأباطيل، لكن دعت الضرورة إلى ذلك، وأقول فيها كما قال السيوطي في كتابه"مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنَّة" (ص: ٥): "اعلموا - يرحمكم الله - أنَّ من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تُذكر إلاَّ عند داعية الضرورة، وأنَّ مِمَّا فاح ريحُه في هذا الزمان، وكان دارسًا بحمد الله تعالى منذ أزمان، وهو أنَّ قائلًا رافضيًّا زنديقًا أكثر في كلامه أنَّ السنَّةَ النبويَّة والأحاديث المرويَّة - زادها الله علوًّا وشرَفًا - لا يُحتجُّ بها، وأنَّ الحجَّةَ في القرآن خاصَّة
فاعلموا - رحمكم الله - أنَّ مَن أنكر كون حديث النَّبيِّ ﷺ قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول - حجَّةً كفرَ وخرج عن دائرة الإسلام، وحُشر مع اليهود والنصارى، أو مع مَن شاء الله من فرق الكفرَة
وهذه آراء ما كنتُ أستحلُّ حكايتَها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد، الذي كان الناس في راحة منه من أعصار".
وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فإنَّ التشابهَ بين المالكي وهذا الرافضي الذي ذكره السيوطي واضحٌ؛ لأنَّ المالكيَّ شكَّك في ثبوت السنَّة وزعم أنَّ ثبوتَها مختلفٌ فيه، وقال في (ص: ١٦٤) من قراءته المزعومة: "فقد اختلف المسلمون في ثبوت السنة وفي الإجماع وفي القياس وفي قول الصحابي وفي غير ذلك، لكن لم يختلفوا أنَّ القرآن هو المصدر الرئيس الشرعي في كلِّ أمر من الأمور الدينية"!!
ويرى بعضُ الناس أنَّ في الردِّ على هذا المالكيِّ إشهارًا له، وأقول: نعم! هو إشهارٌ له، لكن بالخزي والفضيحة، واشتهارُه نظيرُ اشتهار صاحب
[ ١١ ]
الحكاية الذي قال: سأعملُ عملًا أُذكَر به في التاريخ، فما كان منه في جمع حاشد إلاَّ أن خلَع ثيابَه وتعرَّى أمامهم، فتحقَّق له ذلك الذي أراده، وأيضًا فمِن المعلوم أنَّ الباطلَ إذا ظهر تعيَّن كشفُه وتزييفُه وإيضاحُ بطلانه.
وإذا لَم يهتد المالكي قبل بلوغه أجلَه فسيموتُ بغيظه، وسيبقى إن شاء الله ذكرُه السيِّء كما بقي ذكرُ أسلافه، كالجعد بن درهم، وجهم بن صفوان، وغيرهما من المبتدعة أهل الزيغ والضلال، وستبقى إن شاء الله الردودُ عليه، كما بقيت الردودُ من علماء السلف، كالإمام أحمد والدارمي وابن منده الذين ردُّوا على الجهمية.
وقد قلت في مقدِّمة كتابي"الانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي": "وسأُفرِدُ بحول الله الردَّ عليه فيه - أعني قراءته المزعومة في كتب العقائد - بكتاب بعنوان: الانتصار لأهل السُّنَّة والحديث في ردِّ أباطيل حسن المالكي"، وبإنجاز هذا الردّ أكون قد وفَّيتُ بهذا الوعد، والحمد لله ربِّ العالَمين.
ولكون الجهاد المتيسِّر في هذا الزمان جهاد أهل النفاق والإلحاد والزيغ والضلال، ولأنَّني عند قراءتي بحثيْه المزعومين الذين رددتُ عليهما مع كتابه السيِّء عن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وجدتُه ذكرَ أسماءَ بحوث زعم أنَّه بصدد كتابتها، فإنِّي أعِدُ الآنَ بأنِّي على استعداد للردِّ عليه، إمَّا بنفسي، أو بالطلب من غيري، ولذا آملُ مِمَّن يقف على شيء من بحوثه المزعومة تزويدي بنسخة من ذلك.
وأسأل الله ﷿ أن يُريَنا الحقَّ حقًّا ويُوفِّقنا لاتِّباعه، والباطلَ باطلًا ويُوفِّقنا لاجتنابه، وأن ينصرَ دينَه ويُعلي كلمتَه، إنَّه ﷾ جوادٌ كريم، وصلى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١٢ ]