ذكر المالكي (ص: ١٢٩) عنوانًا بلفظ: "التجسيم والتشبيه" زاعمًا أنَّ أهلَ السنَّة ومنهم الحنابلة يقولون بالتشبيه والتجسيم، وأهل السنَّة لا يقولون بالتشبيه ولا التعطيل، وإنَّما مذهبُهم وعقيدتُهم الإثبات مع التنزيه، كما قال الله ﷿ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فهم مثبتةٌ غير معطِّلة، ومع إثباتهم ليسوا بمشبِّهة، وأمَّا التجسيمُ فإنَّه لفظٌ مُجملٌ لم يَرِد إثباته لله ولا نفيه عنه في الكتاب والسنة، فإن أريد به ذاتٌ متَّصفةٌ بصفات لا تشبه المخلوقات فهو حقٌّ، وإن أريد به ذاتٌ متَّصفة بصفات تشبه المخلوقات فهو باطل، وهذه طريقة أهل السنَّة في الألفاظ المجملة التي لَم ترِد في الكتاب والسنَّة، يُثبتون المعنى الحق ولا يعبِّرون باللفظ المجمل المحتمل للحقِّ والباطل، وينفون المعنى الباطل واللفظ الذي عُبِّر به عنه، والمعطِّلة يصفون المثبتة للصفات بأنَّهم مشبِّهة؛ لأنَّهم لا يتصوَّرون الإثبات إلاَّ مع التشبيه، قال ابن عبد البر في التمهيد (٧/١٤٥): "وأمَّا أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلُّها والخوارج، فكلُّهم يُنكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ مَن أقرَّ بها مشبِّه، وهم عند مَن أثبتها نافون للمعبود"، ونقله عنه الذهبي في العلو (٢/١٣٢٦)، وعلَّق عليه قائلًا: "صدق والله! فإنَّ مَن تأوَّل سائر
[ ١٠٩ ]
الصفات وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أدَّاه ذلك السَّلب إلى تعطيل الرَّبِّ وأن يشابه المعدوم، كما نُقل عن حماد بن زيد أنَّه قال: مَثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة، قيل: لها سَعَف؟ قالوا: لا، قيل: فلها كَرَب؟ قالوا: لا، قيل: لها رُطَب وقِنو؟ قالوا: لا، قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا، قيل: فما في داركم نخلة! ".
والمعنى أنَّ من نفى عن الله الصفات، فإنَّ حقيقةَ أمره نفيُ المعبود؛ إذ لا يُتصوَّرُ وجود ذات مجرَّدة من جميع الصفات.
وأذكر هنا نماذج مِمَّا أورده المالكي تحت هذا العنوان"التجسيم والتشبيه" مع الإجابة عنها.
فمِن ذلك قوله (ص: ١٢٩): "أما الأهوازي (الحسن بن علي بن إبراهيم وهو من غلاة أهل السنة، وغلاة أهل السنَّة حنابلة) الحنبلي، فقد ألَّف كتابًا طويلًا في الصفات أورد فيه أحاديث باطلة، ومنها حديث عرق الخيل الذي نصُّه: (إنَّ الله لَمَّا أراد أن يخلق نفسه خلق الخيلَ فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسَه من ذلك العرق) تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، والغريب أنَّنا نكفِّر مَن يقول بخلق القرآن أو يسبُّ أحد الصحابة، وفاعل هذا وإن كان مخطئًا، لكنَّه ليس كخطأ مَن يزعم أنَّ الله خلق نفسه من عرق الخيل، فعجبًا لِمَن يُكفِّر مَن يقول أنَّ القرآن مخلوق، ولا يُكفِّر مَن يقول إنَّ نفس الله مخلوق!! ".
وقال تعليقًا على كلامه هذا: "وقد اتَّهمه ابن عساكر بأنَّه من الفرقة السالمية المجسِّمة، لكن ابن تيمية عدَّه في أهل السنَّة في الجملة، فاحتمل أمثال هؤلاء داخل أهل السنَّة مع ما ترى من بشاعتهم، ولم يحتمل دخول المعتزلة والجهمية ومعتدلي الشيعة، وهذه مفارقةٌ عجيبة!! ".
[ ١١٠ ]
وأجيب عن ذلك بما يلي:
١ - قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الأهوازي في لسان الميزان: "وقال ابن عساكر: جمع كتابًا سمَّاه: (شرح البيان في عقود أهل الإيمان)، أودعه أحاديث منكرة، كحديث (إنَّ الله لَمَّا أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل فأجراها حتى عرقت، ثمَّ خلق نفسه من ذلك العرق)، وغير ذلك مِمَّا لا يجوز أن يُروى ولا يحلُّ أن يُعتقد، وكان مذهبُه مذهبَ السالمية، يقول بالظاهر ويتمسَّك بالأحاديث الضعيفة لتقوية مذهبه، وحديث إجراء الخيل موضوع، وضعه بعضُ الزنادقة ليشنِّع به على أصحاب الحديث في روايتهم المستحيل، فحمله بعضُ مَن لا عقل له ورواه، هو مِمَّا يُقطع ببطلانه شرعًا وعقلًا".
وفي هذا بيان أنَّ الأهوازي من السالميَّة وليس من أهل السنَّة، وأنَّ الحديث من وضع الزنادقة للتشنيع على أهل الحديث في رواية المستحيل، وقد أورده المالكيُّ للتَّشنيع على أهل السنَّة!
٢ - وأمَّا زعم المالكي أنَّ ابن تيمية عدَّه من أهل السنَّة في الجملة، ولم يُبيِّن المصدر لكلام ابن تيمية، وابن تيمية في كتابه منهاج السنة (٥/٢٦١) ذكر أنَّه من السالمية وأنَّه صنَّف كتابًا في مثالب الأشعري، وأنَّ ابن عساكر ألَّف في الردِّ عليه، وذكر مثالبَ السالميَّة، وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٦/٢٣ - ٢٤): "وهذا يقوله (يعني عدم قبول توبة الداعي إلى البدعة) طائفةٌ مِمَّن ينتسب إلى السنَّة والحديث وليسوا من العلماء بذلك، كأبي علي الأهوازي وأمثاله، مِمَّن لا يُميِّزون بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة، وما يُحتجُّ به وما لا يُحتجُّ به، بل يروون كلَّ ما في الباب مُحتجِّين به".
والخلاصة أنَّ ابن تيمية يرى أنَّه من السالمية وأنَّه ينتسب إلى أهل السنَّة والحديث، وما أشبهَ الليلة بالبارحة، فالمالكي نفسه هو على طريقة الرافضة
[ ١١١ ]
الذين يحقدون على الصحابة وأهل السنَّة، مع أنَّه ينتسب إلى أهل السنَّة، وهم بُرآءُ منه.
٣ - أهل السنَّة والجماعة يُثبتون لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسولُه ﷺ من الأسماء والصفات، وهم لا يصفون الله بالنفَس؛ لأنَّه لم يثبت وصفه بهذا الوصف في الكتاب والسنَّة، وأمَّا حديث: "إنِّي أجد نفَس الرحمن من ها هنا" وأشار إلى اليمن، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/٧٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٦٣٥٨) فليس من أحاديث الصفات، وإنَّما هو من النَّفَس، وهو اسم مصدر بمعنى التنفيس، كما في كتب اللغة والنهاية لابن الأثير، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (٣٣٦٧)، والقواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين (ص: ٥١)، وقال ابن تيمية في المجموع (٦/٣٩٨): "فقوله (من اليمن) يُبيِّن مقصود الحديث؛ فإنَّه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يُظنَّ ذلك، ولكن منها جاء الذين يُحبُّهم ويُحبُّونه، الذين قال فيهم ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ " إلى أن قال: "وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الرِّدَّة وفتحوا الأمصار، فبهم نفَّس الرحمن عن المؤمنين الكربات، ومن خصَّص ذلك بأويس فقد أبْعد".
وفي صحيح مسلم (٢٥٤٢) عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن" الحديث، قال النووي في شرحه (١٦/٩٥): "أمداد أهل اليمن هم الجماعة الغزاة الذين يمدُّون جيوش الإسلام في الغزو، واحدهم مَدد".
٤ - وأمَّا زعم المالكي احتمال دخول الأهوازي وأمثاله في أهل السنَّة، وعدم دخول الجهمية والمعتزلة ومعتدلي الشيعة فيهم، وأنَّها مفارقةٌ عجيبة،
[ ١١٢ ]
فجوابه أنَّ أهلَ السنَّة يعتبرون السالمية والجهمية والمعتزلة والرافضة من فرق الضلال، ولا يدخل أحد من هؤلاء في أهل السنة، كما أنَّ المالكيَّ نفسه ليس من أهل السنَّة، وإنَّما هو من أعداء أهل السنَّة، وقد مرَّ قريبًا ما جاء عن حماد بن زيد وابن عبد البر والذهبي من أنَّ الجهمية المعطلة نافون للمعبود؛ لأنَّه لا يُتصوَّر وجود ذات مجرَّدة من جميع الصفات، وفي (ص: ٩١) من قراءته في كتب العقائد أظهر أسفَه على سنوات أضاعها في بغض ولعن الجهمية والقدرية، وأنَّه لم ينتبه لبراءتهما من أكثر ما نُسب إليهما وظلمه لهما إلاَّ بعد بحثه في الموضوع في فترة متأخرة، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى.
ومن ذلك قول المالكيِّ (ص: ١٢٩ - ١٣٠): "وألَّف الهروي الحنبلي كتابًا في الصفات، حشره بأحاديث باطلة من هذا الجنس، وروى عبد الله بن أحمد رواية مقطوعة فيها: (مكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد إلاَّ مات من نور ربِّ العالمين") .
وأجيب عن ذلك: بأنَّ ما ذكره عن كتاب الهروي فهو من الكلام الذي يُطلقه المالكي جزافًا، وقد يكون فيما يعنيه أحاديث صحيحة لا تُناسبُ هواه، وليس فيها تجسيم ولا تشبيه، كما سبق أن مرَّ قريبًا بيان قدحه في أحاديث صحيحة، بعضها في الصحيحين، وما كان في كتاب الهروي من أحاديث ضعيفة وهي مسندة، فأهل العلم يعرفون الحكم على الحديث بالوقوف على إسناده.
وأمَّا الأثر المقطوع الذي ذكره عن عبد الله بن الإمام أحمد، فإسناده كما في طبقات الحنابلة (١/١٨٥ - ١٨٦): "قال عبد الله بن أحمد: حدَّثني محمد ابن بكار، حدَّثنا أبو معشر، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية"، وهو مع كونه مقطوعًا من كلام بعض الرواة، فإنَّ في إسناده أبا معشر وهو نجيح
[ ١١٣ ]
ابن عبد الرحمن السندي، قال فيه الحافظ في التقريب: "ضعيف، من السادسة، أسنَّ واختلط".
ومِمَّا أورده في اتِّهام أهل السنَّة بالتشبيه والتجسيم، ما زعمه في (ص: ١٣١) أنَّهم رووا أنَّ المقام المحمود للنَّبيِّ ﷺ هو قعودُه ﷺ مع ربِّه على العرش!!
والجواب عن ذلك: أنَّه لم يثبت رفعُه إلى رسول الله ﷺ، بل هو موضوع، كما ذكر ذلك ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٥/٢٣٧)، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٨٦٥): "باطل"، وقد جاء القول بذلك عن مجاهد وبعض السَّلف، والأصل في مثل ذلك أن يُعوَّل على ما جاء به الوحي، وليس المعنى فيه من قبيل التشبيه والتجسيم، كما زعم المالكي، بل هو نظير الكتاب الذي كتبه الله، وهو عنده فوق العرش، ففي صحيح البخاري (٧٥٥٣) وصحيح مسلم (٢٧٥١) عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لَمَّا خلق الله الخلقَ كتب كتابًا عنده؛ غلبت - أو قال - سبقت رحمتي غضبي، فهو عنده فوق العرش".
فلو صحَّ ما ذُكر عن النَّبيِّ ﷺ لكان النَّبيُّ ﷺ عنده فوق العرش، كما كان هذا الكتاب عنده فوق العرش.
وأهل السنَّة يؤمنون بأنَّ الله ﷿ مُستوٍ على عرشه كما يليق به، كما جاء إثبات ذلك في سبع آيات من كتاب الله، واستواؤه على عرشه حقيقة لا مجاز، وهو سبحانه فوق خلقه مستو على عرشه، وله ﷾ علوُّ القدر وعلوُّ القهر وعلوُّ الذات، والمبتدعة لا يُثبتون علوَّ الذات؛ لأنَّه بزعمهم تجسيم، والتجسيم إن أُريد به ذات متَّصفة بصفات مشابهة للمخلوقات فهو باطل، وإن أُريد به ذات متَّصفة بصفات لا تشبه المخلوقات
[ ١١٤ ]
فهو حقٌّ، لكن لا يُعبَّر عن ذلك بالتجسيم؛ لأنَّ لفظَ التجسيم محتملٌ للحقِّ والباطل، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، كما في مختصره لابن الموصلي اثنين وأربعين وجهًا في إبطال قول مَن فسَّر الاستواءَ على العرش بالاستيلاء، وذكر أنَّ كثيرًا من المالكية على منهج السلف في العقيدة، فقال في (٢/١٣٢ - ١٣٦): "الوجه الثاني عشر: أنَّ الإجماعَ منعقدٌ على أنَّ الله سبحانه استوى على عرشه حقيقة لا مجازًا، قال الإمام أبو عمر الطلمنكي - أحد أئمَّة المالكية وهو شيخ أبي عمر بن عبد البر - في كتابه الكبير الذي سَمَّاه الوصول إلى معرفة الأصول، فذكر فيه من أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم وأقوال مالك وأئمَّة أصحابه، ما إذا وقف عليه الواقفُ علمَ حقيقةَ مذهب السَّلف، وقال في هذا الكتاب: أجمع أهلُ السنَّة على أنَّ الله تعالى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز.
الوجه الثالث عشر: قال الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد في شرح حديث النُزول: وفيه دليلٌ على أنَّ الله تعالى في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة وقرَّر ذلك، إلى أن قال: وأهل السُّنَّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلاَّ أنَّهم لا يُكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يَحدُّون فيه صفة مخصوصة، وأمَّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة والخوارج، فكلُّهم يُنكرُها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ مَن أقرَّ بها مشبِّهٌ، وهم عند مَن أقرَّ بها نافون للمعبود.
وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره المشهور في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: هذه المسألة للفقهاء فيها كلام، ثم ذكر أقوال المتكلمين،
[ ١١٥ ]
ثم قال: وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق به في كتابه، وأخبرت به رسلُه، ولم يُنكر أحدٌ من السلف الصالح أنَّه استوى على عرشه حقيقة، وإنَّما جهلوا كيفية الاستواء، كما قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول.
الوجه الرابع عشر: أنَّ الجهمية لَمَّا قالوا إنَّ الاستواءَ مجازٌ صرَّح أهل السُّنَّة بأنَّه مستوٍ بذاته على عرشه، وأكثرُ مَن صرَّح بذلك أئمَّةُ المالكية، فصرَّح به الإمام أبو محمد بن أبي زيد في ثلاثة مواضع من كتبه، أشهرها الرسالة، وفي كتاب جامع النوادر، وفي كتاب الآداب، فمَن أراد الوقوف على ذلك فهذه كتبه، وصرَّح بذلك القاضي عبد الوهاب، وقال: إنَّه استوى بالذات على العرش، وصرَّح به القاضي أبو بكر الباقلاني وكان مالكيًّا، حكاه عنه القاضي عبد الوهاب نصًّا، وصرَّح به أبو عبد الله القرطبي في كتاب شرح أسماء الله الحسنى، فقال: ذكر أبو بكر الحضرمي من قول الطبري يعني محمد بن جرير وأبي محمد بن أبي زيد وجماعة من شيوخ الفقه والحديث، وهو ظاهر كتاب القاضي عبد الوهّاب عن القاضي أبي بكر وأبي الحسن الأشعري، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر نصًّا، وهو أنَّه سبحانه مُستوٍ على عرشِه بذاته، وأطلقوا في بعض الأماكن فوق خلقه.
قال: وهذا قولُ القاضي أبي بكر في تمهيد الأوائل له، وهو قولُ أبي عمر ابن عبد البر، والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيّين، وقول الخطّابي في شعار الدِّين.
وقال أبو بكر محمد بن موهب المالكي في شرح رسالة ابن أبي زيد: قوله
[ ١١٦ ]
إنَّه فوق عرشه المجيد بذاته، معنى (فوق) و(على) عند جميع العرب واحدٌ، وفي كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ تصديقُ ذلك، ثمَّ ذكر النصوصَ من الكتاب والسنة واحتجَّ بحديث الجارية وقول النبيِّ ﷺ لها: (أين الله؟) وقولها: (في السماء)، وحكمه بإيمانها، وذَكَر حديثَ الإسراء، ثمَّ قال: وهذا قول مالك فيما فهمه عن جماعةٍ مِمَّن أدرك من التابعين، فيما فهموا من الصحابة فيما فهموا عن نبيِّهم ﷺ: أنَّ اللهَ في السماء بمعنى فوقها وعليها، قال الشيخ أبو محمد: إنَّه بذاته فوق عرشه المجيد، فتبيَّن أنَّ علوَّه على عرشه وفوقه إنَّما هو بذاته، إلاَّ أنَّه بائنٌ من جميع خلقه بلا كيف، وهو في كلِّ مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، لا تحويه الأماكن؛ لأنَّه أعظمُ منها، إلى أن قال: وقوله: على العرش استوى، إنَّما معناه عند أهل السنَّة على غير معنى الاستيلاء والقهر والغلبة والملك، الذي ظنَّت المعتزلةُ ومَن قال بقولهم أنَّه معنى الاستواء، وبعضُهم يقول إنَّه على المجاز لا على الحقيقة، قال: ويُبيِّن سوءَ تأويلهم في استوائه على عرشه على ما تأوَّلوه من الاستيلاء وغيره، ما قد علمه أهلُ المعقول أنَّه لَم يَزل مستوليًا على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرشُ وغيرُه في ذلك سواءً، فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاءٌ وملكٌ وقَهرٌ وغلبةٌ، قال: وذلك أيضًا يبيِّن أنَّه على الحقيقة بقوله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، فلمَّا رأى المصنِّفون إفراد ذكره بالاستواء على العرش بعد خلق السموات وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء علموا أنَّ الاستواءَ غير الاستيلاء، فأقرُّوا بوصفه بالاستواء على عرشه وأنَّه على الحقيقة لا على المجاز؛ لأنَّه الصادقُ في قِيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله؛ إذ ليس كمثله شيء، هذا لفظه في شرحه.
[ ١١٧ ]
الوجه الخامس عشر: أنَّ الأشعريَّ حكى إجماعَ أهل السنَّة على بُطلان تفسير الاستواء بالاستيلاء، ونحن نذكر لفظَه بعينه الذي حكاه عنه أبو القاسم بن عساكر في كتاب تبيين كذب المفتري، وحكاه قبله أبو بكر بن فَوْرك وهو موجودٌ في كتبه، قال في كتاب الإبانة وهي آخرُ كتبه قال:
(باب ذكر الاستواء) إن قال قائلٌ: ما تقولون في الاستواء، قيل: نقول له: إنَّ اللهَ تعالى مستوٍ على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وساق الأدلَّةَ على ذلك، ثمَّ قال: وقال قائلون من المعتزلة والجهميّة والحرورية: إنَّ معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أنَّه استولى ومَلَكَ وقَهَر، وجحدوا أن يكون اللهُ على عرشه كما قال أهلُ الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القُدرة، ولو كان هذا كما قالوا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة السُّفلى؛ لأنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على كلِّ شيء، والأرض والسموات وكلّ شيء في العالَم، فلو كان اللهُ مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء والقدرة لكان مستويًا على الأرض والحشوش والأنْتَان والأقْذار؛ لأنَّه قادرٌ على الأشياء كلِّها ولم نجد أحدًا من المسلمين يقول إنَّ اللهَ مستوٍ على الحشوش والأخْلِيَة، فلا يجوزُ أن يكون معنى الاستواء على العرش على معنى هو عام في الأشياء كلِّها، ووَجَبَ أن يكون معنى الاستواء يَختصُّ بالعرش دون سائر الأشياء، وهكذا قال في كتابه الموجَز وغيره من كتبه".
[ ١١٨ ]