ذكر في (ص: ١٥٩) عنوانًا بلفظ: "ردود الأفعال"، قال فيه: "لَمَّا قام تيار جهم بن صفوان بنفي الصفات قام الحنابلة والسلفية فجسَّموا، كما رأيتم في الفقرة الخاصة بالإسرائيليات والتجسيم، ولَمَّا مدح المعتزلةُ العقلَ قام الحنابلة وذمُّوا العقل، ولَمَّا توسَّع الأحناف في الرأي والقياس جاء الحنابلة بأحاديث وآثار في ذمِّ الرأي والقياس، وكان أحمد بن حنبل يقول: القرآن كلام الله، لا يزيد على ذلك، فلمَّا قال المعتزلة بخلق القرآن، قال أحمد: القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال الحنابلة: إذا قلنا: القرآن كلام الله، ثم لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، لم يكن بيننا وبين هؤلاء الجهمية خلاف، أقول: وكأنَّ الخلاف مطلب وفضيلة نبحث عنها!
[ ١٣٠ ]
ولَمَّا تحالف المأمون مع المعتزلة - وكان متشيِّعًا محبًّا لعلي بن أبي طالب وأهل البيت - قام الحنابلة خاصة بالانحراف عن الإمام علي وأهل بيته، والتعصب لبني أمية، حتى وصل بهم الأمر - كما يُقرِّر ابن الجوزي - بالتعصُّب ليزيد بن معاوية، مع ما اشتهر عنه من ظلم وفجور!! ".
وأجيب عن ذلك بما يلي:
١ - أنَّ ما حصل من أهل السنَّة عند ظهور البدع من مقاومة لها ليس هو مجرَّد كلام في مقابلة كلام، وإنَّما هو من قبيل بيان الحقِّ عند ظهور الباطل، وهذا واجب على أهل السنَّة، قال ابن القيم في تهذيب السنن مع عون المعبود (١٢/٢٩٨ - ٢٩٩): "والذي صحَّ عن النَّبيِّ ﵁ ذمُّهم من طوائف أهل البدع هم الخوارج، فإنَّه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلّها صحاح؛ لأنَّ مقالتَهم حدثت في زمن النَّبيِّ ﷺ وكلمة رئيسهم، وأمَّا الإرجاء والرفض والقدر والتجهم والحلول وغيرها من البدع، فإنَّها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة، وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة، فأنكرها مَن كان منهم حيًّا، كعبد الله بن عمر وابن عباس وأمثالهما ﵃، وأكثرُ ما يجيء من ذمِّهم فإنَّما هو موقوف على الصحابة، من قولهم فيه، ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة، فتكلَّم فيها كبار التابعين الذين أدركوها كما حكيناه عنهم، ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين، واستفحل أمرُها واستطار شرُّها في زمن الأئمَّة كالإمام أحمد، ثم حدثت بعد ذلك بدعةُ الحلول، وظهر أمرُها في زمن الحسين الحلاج، وكلَّما أظهر الشيطانُ بدعةً من هذه البدع وغيرها أقام اللهُ له من حزبه وجنده مَن يردُّها ويُحذِّر المسلمين منها؛ نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله ولأهل الإسلام، وجعله ميراثًا يعرف به حزب رسول الله ﷺ وولي سننه من حزب البدعة وناصرها".
[ ١٣١ ]
وهذه مقتطفات من كلام الخطيب البغدادي في أوصاف أهل السنَّة والحديث من كتاب شرف أصحاب الحديث، قال في (ص: ٨ - ٩): "وقد جعل الله تعالى أهلَه (أي الحديث) أركان الشريعة، وهدم بهم كلَّ بدعة شنيعة، فهُم أمناءُ الله من خليقته، والواسطة بين النبيِّ ﷺ وأمَّته، والمجتهدون في حفظ ملَّته وكلُ فئة تتحيَّز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيًا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإنَّ الكتابَ عُدَّتُهم، والسنَّةَ حجَّتُهم، والرسولَ فئتُهم، وإليه نسبتهم، لا يعرِّجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يُقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدِّين وخزنته، وأوعية العلم وحملتُه".
وقال في (ص: ١٠): "وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذُبُّ بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفَّاظ لأركانها، والقوَّامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون، أولئك حزب الله، ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون".
وعلى هذا، فإنَّ ردودَ أهل السنَّة على أهل البدع عند ظهور البدع هو من قَبيل بيان الحقِّ عند ظهور الباطل، وليس مجرَّد ردود أفعال كما هو التعبير العصري.
٢ - قوله: "لَمَّا قام تيار جهم بن صفوان بنفي الصفات قام الحنابلة والسلفية فجسَّموا".
وتعليقًا على ذلك أقول: نفي الجهمية الصفات الذي هو التعطيل يقابله الإثبات، والإثبات ينقسم إلى قسمين: إثباتٌ مع التشبيه، وهو باطل لا شكَّ فيه، وأهل السنَّة برآء منه، وإثبات مع تنزيه، وهو الحقُّ الذي لا ريب فيه، وقد جمع الله بين الإثبات والتنزيه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
[ ١٣٢ ]
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فأثبت الله لنفسه السمعَ والبصرَ في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ونفى مشابهة غيره له في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقد مرَّ قريبًا الردُّ على المالكي في زعمه الباطل أنَّ أهل السنَّة مجسِّمة ومشبِّهة.
٣ - قوله: "ولَمَّا مدح المعتزلةُ العقلَ، قام الحنابلة وذموا العقل".
أقول: أهل السنَّة لا يَذمُّون العقلَ على الإطلاق، وإنَّما يذمُّون العقلَ الذي يعارَض به النقل، والعقل السليم عندهم لا يُعارض النقل الصحيح، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب واسع في ذلك، هو درء تعارض العقل والنقل.
٤ - قوله: "ولَمَّا توسَّع الأحناف في الرأي والقياس جاء الحنابلة بأحاديث وآثار في ذمِّ الرأي والقياس".
أقول: أهل السنَّة ومنهم الحنابلة لا يذمُّون الرأي والقياس على الإطلاق، وإنَّما يذمُّون الرأي والقياس المعارِضَيْن للدليل من الكتاب والسنَّة؛ لأنَّه لا اجتهادَ ولا قياس مع وجود النصِّ، وقال علي ﵁: "لو كان الدِّين بالرأي لكان أسفل الخفِّ أولى بالمسح من أعلاه" رواه أبو داود (١٦٢) وإسناده صحيح.
وفي صحيح البخاري (٧٣٠٨)، ومسلم (١٧٨٥) عن سَهل بن حُنيف ﵁ قال: "يا أيُّها الناس! اتَّهموا رأيَكم على دينكم ".
وقال الإمام الشافعي كما في الروح لابن القيم (٢/٧٦٩): "أجمع الناسُ على أنَّ من استبانت له سنَّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدَعها لقول أحد".
٥ - قوله: "وكان أحمد بن حنبل يقول: القرآن كلام الله، لا يزيد على ذلك، فلمَّا قال المعتزلة بخلق القرآن، قال أحمد: القرآن كلام الله غير مخلوق".
أقول: نعم! لَمَّا قال المعتزلة: إنَّ كلام الله مخلوق، وهي من البدع المحدثة،
[ ١٣٣ ]
ردَّ أهل السنَّة ومنهم الإمام أحمد هذه البدعة ببيان أنَّ القرآنَ كلامُ الله وأنَّه غير مخلوق، فهو من قبيل ردِّ الباطل عند ظهوره ببيان الحقِّ.
٦ - قوله: "ولَمَّا تحالف المأمون مع المعتزلة - وكان متشيِّعًا محبًّا لعليِّ بن أبي طالب وأهل البيت - قام الحنابلة خاصّة بالانحراف عن الإمام علي وأهل بيته والتعصب لبني أميًَّة!! ".
وتعليقًا على هذا أقول: أهل السنَّة والجماعة - ومنهم الحنابلة - ليسوا منحرفين عن الإمام علي ﵁، بل يُحبُّونه ويتولَّونه، ويعتقدون أنَّه أفضل هذه الأمَّة بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع، وكذلك يتولَّون أهل بيت رسول الله ﷺ، وهم زوجاته وذريَّته وكلُّ مسلم ومسلمة من نسل عبد المطلب بن هاشم، وقد أوضحتُ ذلك في كتابي"فضل أهل البيت وعلوُّ مكانتهم عند أهل السنَّة والجماعة".
وأمَّا دولة بني أميَّة فهم لا يتعصَّبون لها، وهي وإن كان حصل من بعض ولاتها أمورٌ منكرة، فقد انتشر في عهدها الإسلام، وفتحت الفتوحات، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية إلى المحيط الأطلسي غربًا، وامتدَّت إلى الصين شرقًا، وكانت قوَّة الإسلام ومنعته في زمن الخلفاء الراشدين، ثم في أكثر مدَّة دولة بني أميَّة، وقد ثبت في صحيح مسلم (١٨٢١) عن جابر بن سمرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال الإسلامُ عزيزًا إلى اثني عشر خليفة"، فهؤلاء الخلفاء هم الخلفاء الراشدون الأربعة، وثمانية من بني أميَّة، كما في شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص: ٧٣٧)، وفتح الباري لابن حجر (١٣/٢١٤) .
[ ١٣٤ ]