قال في (ص: ١٦٠): "من السمات الغالبة على مذهبنا العقدي السلفي الحنبلي أنَّنا لا ندرك معاني الألفاظ والمصطلحات التي نتحدَّث بها، فتجد ألفاظًا ضخمة، فإذا سألتَ قائلَها عن معانيها إذا به يبهت، وأذكر ذات مرَّة أنَّ بعضَ الإخوة - جزاه الله خيرًا - نصحني قائلًا: إنَّ ما أثيره من مقالات في التاريخ قد يُخالف عقيدة أهل السنَّة والسَّلف الصالح في الإمساك عمَّا شجر بين الصحابة، ولَمَّا ناقشته في هذه الجملة خرجت بنتيجة مفادها أنَّه لا يعلم معنى عقيدة ولا معنى أهل السنَّة ولا معنى السلف ولا معنى الصلاح ولا معنى الإمساك ولا معنى الصحابة، وهكذا يفعل أكثرنا؛ إذ تجد أحدَهم قد يحتج عليك بصفحات قد لا يعرف المعاني الصحيحة للألفاظ التي يتحدَّث بها، وتتردَّد عندنا في العقائد ألفاظ كثيرة ومصطلحات فضفاضة لا نعرف معناها أو على الأقل يختلف الناس في تحديدها من شخص لآخر، فنطلقها بلا تحديد، مثل: (السلف الصالح - أهل السنَّة - أهل الأثر - أهل الحديث - الطائفة المنصورة - البدعة - الإجماع - الضلالة - الأمة - علماء الأمة - الرافضة - الجهمية - الخوارج - النواصب - الشيعة - الكتاب - السنة إلخ) .
وكذلك قول بعضهم: (عليك بما كان عليه الصحابة)، نصيحة مطاطة؛ فإن كان يعرف أنَّ الصحابة قد اختلفوا في أمور كثيرة عقدية وفقهية وسياسية، فأيهم نتَّبع؟! فإن كان القائل لا يعرف اختلافهم، فهذه مصيبة، وإن كان يريد إجماعهم فلم يجمعوا إلاَّ على شيء معروف فيه نص شرعي غالبًا، لكن أكثر دعاوانا في إجماعهم أنَّهم أجمعوا على أنَّ القرآن غير مخلوق، أو على تقديم أبي بكر أو علي وغير ذلك، إنَّما هي مجرَّد دعاوى تدل على
[ ١٣٥ ]
جهلنا بمعنى الإجماع، وجهلنا بالتاريخ نفسه؛ إذ أنَّ أكثرَ هذا افتراء عليهم، فقد كان الأمر بين غائب عنهم لم يبتوا فيه أو مختلف فيه بينهم!! ".
وأجيب على ذلك بما يلي:
١ - قوله: "من السمات الغالبة على مذهبنا العقدي السلفي الحنبلي أنَّنا لا ندرك معاني الألفاظ والمصطلحات التي نتحدَّث بها"، قال هذا الكلام متحدِّثًا عن أهل السنَّة بدعوى أنَّه واحد منهم وهو أجنبيٌّ عنهم، وقد أوضحت بطلان دعواه أنَّه من أهل السنَّة وبراءة أهل السنَّة منه، وذلك بإيراد جمل من كلامه توضح بُعدَه عن أهل السنَّة، وبُعدهم عنه.
٢ - ما زعمه من التقائه بأحد الإخوة الذي نصحه، وأنَّه تبيَّن له أنَّه لم يفهم معنى الكلام الذي نصحه به، فإن كانت هذه القصةُ صحيحةً، فلماذا لم يشرح له هذه الكلمات؟! ولماذا بخل على قرَّاء قراءته المزعومة في كتب العقائد فلم يفسِّر لهم هذه الكلمات (العقيدة، وأهل السنَّة، والسلف، والصلاح، والإمساك، والصحابة)؟!
وهذا الكلام منه من قبيل التهريج والتلبيس والتشويش.
٣ - قوله: "وتتردَّد عندنا في العقائد ألفاظ كثيرة ومصطلحات فضفاضة لا نعرف معناها أو على الأقل يختلف الناس في تحديدها من شخص لآخر، فنطلقها بلا تحديد، مثل: (السلف الصالح - أهل السنَّة - أهل الأثر - أهل الحديث - الطائفة المنصورة - البدعة - الإجماع - الضلالة - الأمة - علماء الأمة - الرافضة - الجهمية - الخوارج - النواصب - الشيعة - الكتاب - السنة إلخ) !! ".
أقول: هذه سبع عشرة كلمة زعم أنَّ أهل السنَّة يُطلقونها دون فهم لمعانيها، وهو كلام لا يحتاج إلى تعليق، لكن مع ذلك أقول: إنَّ لكلِّ خلفٍ
[ ١٣٦ ]
سلفًا، ولكلِّ قوم وارثًا، فأهل السنَّة سلفهم الصحابة ومَن سار على نهجهم، وهؤلاء السلف لأهل السنَّة هم عند المالكي يُذادون عن حوض رسول الله ﷺ ويُؤمَر بهم إلى النار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ومع هذا الجفاء في الصحابة والحقد عليهم يكون نصيبُ الجهمية وغيرهم من أهل البدع منه الثناء والمدح، كما سبقت الإشارة إلى ذلك أيضًا، وعلى هذا فالسلف عند أهل السنَّة الصحابة ومَن تبعهم، والسلف عند المالكي أهل البدع كالجهمية الذين تباكى على قتل زعمائهم، وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك، ولا ينتهي عجب المتعجِّب من زعم المالكي جهل أهل السنَّة معاني تلك الكلمات، لا سيما (الكتاب والسنة) التي لا يجهل معناها أحد، وليس لها معان متعدِّدة حتى يُجتهد في اختيار واحد منها، لكن قائل هذا الكلام قد شوى قلبَه الحقدُ على أهل السنَّة فقال ما قال.
٤ - الصحابةُ ﵃ لم يختلفوا في العقائد كما زعم المالكي، وما جاء عن بعضهم من مثل الاختلاف في رؤية النَّبيِّ ﷺ ربَّه ليلة المعراج لا يعدُّ اختلافًا في رؤية الله، فإنَّهم متَّفقون على رؤية الله في الدار الآخرة، وأمَّا مسألة خلق القرآن التي ابتدعها الجهمية، فالمنقول عمَّن أدركها من السلف ردّها وإنكارها والقول بأنَّ القرآن غير مخلوق، وأهل السنَّة في مختلف العصور يُنكرون مقالة خلق القرآن، ولا خلاف عندهم في ذلك، وكذلك أيضًا فإنَّ الإجماعَ منعقدٌ على خلافة أبي بكر بعد رسول الله ﷺ، كما سبق بيان ذلك.
[ ١٣٧ ]