وقال في (ص: ٩): "قد يكون من فضول القول التأكيد بأنَّني - والحمد لله - من طلبة الحق والعلم، ومن أهل السُّنَّة والجماعة، ولا أرفع من الشعارات إلاَّ قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، متحريًّا الحقَّ والصواب بحسب قُدراتي واجتهادي!! ".
وقال في (ص: ١٧): "وأخيرًا فيجب أن أُؤكِّدَ أنَّنِي مسلمٌ سُنِيٌّ سلفيٌّ حنبليٌّ، ومَن زعم أنَّني أنتَمي لمذهب آخر باهَلتُه!! ".
وقال في (ص: ١٩٦): "بل لا أعتبر نفسي إلاَّ حنبليًّا بحكم النشأة والتعليم والبيت والتلقِّي والطريقة في الاستدلال".
وأجيب عن هذه الدعاوى بما يلي:
١ - نعم! إنَّ قولَ المالكي إنَّه من أهل السُّنَّة والجماعة هو من فضول القول وليس من حقائقه!
[ ١٣ ]
٢ - أنَّ زعمَه أنَّه سُنِيٌّ سلفي حنبليٌّ مُجرَّدُ دعوى، تُبيِّنُ كلماتُه التي أنقلها من قراءته المزعومة من كتب العقائد بطلان هذه الدعوى.
فليس سُنيًّا مَن يُشكِّك في أحقيَّة أبي بكر بالخلافة، ويقول في (ص: ٤٨): "لكن السبب في بيعتهم أبا بكر وتركهم عليًّا أنَّ عليًّا لم يكن موجودًا في السَّقيفة أثناء المجادلة والمناظرة مع الأنصار، وربَّما لو كان موجودًا لَتَمَّ له الأمر!! ".
ويقول أيضًا في نفس الصفحة: "أمَّا أن يتمَّ الأمر في وسط النزاع المحتدم بين المهاجرين والأنصار، ثم بين الأوس والخزرج من الأنصار، فهذا يُضعف عندهم - يعني عليًّا ومن معه بزعمه - شرعيَّة البيعة، ويجعلها أشبه ما تكون بالقهر والغلبة، التي تتنافى مع الشورى المأمور بها شرعًا ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ !!! ".
وليس سُنيًّا مَن يظنُّ بمعظم الأنصار ظنَّ السوء، فيزعم أنَّهم يرون أنَّ عليًّا أولَى بالخلافة من أبي بكر ﵄، فيقول في (ص: ٤٦): "بل تبيَّن أنَّ معظمَ الأنصار كانوا يَميلون مع عليٍّ أكثر من ميلهم مع أبي بكر ﵄!! ".
وهذا الظنُّ السيِّء من المالكيِّ مبايِنٌ تَمامًا لِمَا ثبت في صحيح البخاري (٥٦٦٦) وصحيح مسلم (٢٣٨٧) واللفظ لمسلم عن عائشة ﵂ قالت: "قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادْعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتبَ كتابًا؛ فإنِّي أخاف أن يتَمنَّى مُتمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر".
فلا يجوز أن يُظنَّ ببعض الأنصار - فضلًا عن معظمهم - أنَّهم يأبون إلاَّ
[ ١٤ ]
غير أبي بكر، مخالفين لِمَا جاء في هذا الحديث، فالله يأبَى إلاَّ أبا بكر، والمؤمنون يأبون إلاَّ أبا بكر، ويأبى بعضُ الذين اتَّبعوا غير سبيل المؤمنين من أهل الأهواء والبدع إلاَّ غير أبي بكر، نعوذ بالله من الخذلان.
وليس سُنيًّا مَن يزعم في (ص: ١٦٤): أنَّ السُّنَّةَ مختلفٌ في ثبوتها، وليس سُنيًّا مَن يَقدحُ في ثبوت حديث: "تركت فيكم كتاب الله وسُنَّتي"، ويصف في (ص: ٧١) الذين أثبتوه زاعمًا أنَّهم عارضوا به حديث العِترة بأنَّهم جهلةُ أهل السُّنَّة، وهو حديثٌ ثابتٌ كما سيأتي بيانُ ذلك.
وليس سُنيًّا ولا حنبليًّا مَن يصف الخليفة المأمون بأنَّه من أعدل ملوك بني العباس وأعلمهم، وهو الذي نصر المعتزلة، وآذى أهلَ السنَّة، وفي مقدِّمتهم الإمام أحمد بن حنبل، الذي يزعم المالكي أنَّه حنبليٌّ نسبة إليه، ويَصف الخليفةَ المتوكِّل الذي نصر أهلَ السُّنَّة وأنهى المحنةَ بخلق القرآن بأنَّه مبتدعٌ ظالم (ص: ١٣٥) .
وفي كتابه السيِّء في الصحابة كلماتٌ له تبيِّن بوضوح أنَّه ليس من أهل السُّنَّة والجماعة، وإنَّما هو من الموغلين في البدع، منها زعمه قَصْر الهجرة على المهاجرين قبل الحُديبية، وقصْر الصحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية، فلا يُمكن بأيِّ حال من الأحوال أن يكون سُنيًّا مَن يزعم أنَّ المهاجرين هم مَن هاجر قبل الحُديبية فقط دون غيرهم مِمَّن هاجرَ بعدها، ولا أن يكون سُنيًّا مَن يزعم أنَّ الصحابةَ هم الذين صحبوا الرسول ﷺ قبل الحُديبية من المهاجرين والأنصار دون غيرهم مِمَّن صحبه بعد الحُديبية، ويزعم أيضًا أنَّ صُحبةَ هؤلاء كصحبة المنافقين والكفار، ولا شكَّ أنَّ هذا القولَ من محدثات القرن الخامس عشر، ولا وجود له قبل إحداث هذا
[ ١٥ ]
المبتدع إيَّاه في هذا القرن، وقد أوضحتُ الردَّ عليه في ذلك في كتابي: «الانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي" في (ص: ٩) وما بعدها، وهو مطبوع متداوَل.
وليس سُنيًّا مَن يزعمُ بأنَّ العباسَ بنَ عبد المطلب - عمّ النَّبيِّ ﷺ ﵁ وابنَه عبد الله ﵁ لَم يظفرَا بشرف صُحبة الرسول ﷺ، وهذا بلا شكٍّ من الجفاء في بعض أهل البيت، بل هو جفاءٌ في أقرب رجل من أهل البيت إلى رسول الله ﷺ، وهو عمُّه العباس ﵁، الذي يستحقُّ ميراث الرسول ﷺ لو كان يُورَث عنه المال، وقد أوضحتُ بطلانَ كلامه هذا في كتاب «الانتصار" (ص: ٨٣) .
وليس سُنيًّا مَن يزعمُ أنَّ خالد بنَ الوليد ﵁ ليس بصحابيٍّ، وقد وصفه رسول الله ﷺ بأنَّه سيفٌ من سيوف الله، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري (٣٧٥٧) .
وليس سُنيًّا مَن يزعمُ أنَّ المغيرةَ بنَ شعبة ﵁ ليس بصحابيٍّ، وهو الذي كان واقفًا على رأس الرسول ﷺ يوم صلح الحُديبية وبيده السيف يَحرسُه، كما في صحيح البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) .
وقد ذكرتُ بطلانَ ما زعمه من عدم صحبة خالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ﵃ في كتابي: "الانتصار" (ص: ٨٧ - ١٠٥) .
وليس سُنيًّا مَن يزعمُ أنَّ أكثرَ أصحاب رسول الله ﷺ يُذادون عن الحوض ويُؤمَر بهم إلى النار، وأنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم، وقد أوضحتُ بطلانَ كلامه هذا في"الانتصار" (ص: ١٢٨ - ١٣٠) .
[ ١٦ ]
وليس سُنيًّا مَن يُنكرُ القولَ بعدالة الصحابة، وقد أجمع على ذلك أهل السُّنَّة والجماعة، وقد نقلتُ عن بعض العلماء حكاية الإجماع في ذلك، مع بيان بطلان ما زعمه المالكيُّ من عدم عدالتهم فِي"الانتصار" (ص: ١٢٤ - ١٢٦) .
٣ - أمَّا ما زعمه من استعداده لِمُباهلة من يقول: إنَّه ليس من أهل السُّنَّة، فهذا من التهويل وإيهامه مَن لا بصيرة له بأنَّه على الحقِّ، مع أنَّه موغلٌ في الضلال، ولا أدري على أيِّ شيء سيُباهل؟
فهل سيُباهلُ على غلُوِّه في عليٍّ ﵁ وبعض أولاده، وجفائه في العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وغيرهما من أهل البيت؟!
أم سيُباهل على زعمه بأنَّ أكثرَ أصحاب الرسول ﷺ يُذادون عن الحوض، وأنَّه يُؤمَر بهم إلى النَّار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم؟!
أم سيُباهل على تشكيكه في خلافة أبي بكر، وأنَّها أشبهُ بالقهر والغلبة؟!
أم سيُباهل على سوء ظنِّه في الصحابة وإنكاره القول بعدالتهم؟!
أم سيُباهل على أباطيله الأخرى التي أوضحتُها في هذا الكتاب وفي كتابي"الانتصار للصحابة الأخيار"؟!
وصدق الله ﷿ في قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وفي قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، ربَّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهَب لنا من لدنك رحمةً إنَّك أنت الوهَّاب.
[ ١٧ ]
ولا شك أنَّ أيَّ إنسان يُباهل هذا المالكيَّ على بطلان أباطيله التي أشرتُ إلى جملة منها هو الرابح، وأنَّ صاحب هذه الأباطيل هو الخاسر.
[ ١٨ ]