قال في (ص: ١٠): "ليس هناك أيّ خطأ أو تناقض أن يقوم مسلمٌ بنقد أخطاء المسلمين؛ لأنَّ الإسلامَ غيرُ المسلمين، ومن ذلك أن يقوم سُنِّيٌّ بنقد أخطاء أهل السُّنَّة؛ لأنَّ السنَّةَ غيرُ أهل السنَّة، ومن ذلك أيضًا أن يقوم حنبليُّ النَّشأة والتعليم والالتزام العام الواعي بنقد أخطاء الحنابلة؛ لأنَّ الحنابلةَ غيرُ أحمد بن حنبل، مع أنَّ أحمد بن حنبل نفسه بشرٌ يخطئُ ويُصيب!! ".
وقال فيها أيضًا: "وعلى هذا الأساس ليسمح لي الإخوة الكرام أن أبيِّن أنَّ ما نفعله أنا وبعضُ الباحثين من نقد ذاتيٍّ لبعض جوانب الغلو أو المنكر داخل كتب أو فكر الحنابلة هو من هذا الباب!! ".
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
١ - ما زعمه من أنَّه سُنيٌّ حنبليٌّ ينتقد أهل السُّنَّة والحنابلة نقدًا ذاتيًّا هو من قبيل المكر والتلبيس والإيهام بالإنصاف، وهو في الحقيقة من قبيل الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وتقويض البنيان وتهديد الحصون من الداخل.
[ ١٨ ]
٢ - في الوقت الذي يكون نصيب أهل السُّنَّة والحنابلة منه النَّقد والثلب وتصيُّد الأخطاء للعيب فيها، يكون نصيبُ فرق الضلال منه السلامة، بل المدح والثناء، كما سيأتي بيانُ ذلك من كلامه، ولو كان صادقًا فيما يقول لبدأ بنقد فرق الضلال، فيُبيِّن ما عندهم من الباطل ويحذِّر منه، أمَّا أن يعمدَ إلى نقد أهل السُّنَّة الذين يزعم أنَّه منهم وهم بُرآء منه فذلك من أوضح الأدلَّة على حقده على أهل السُّنَّة وموافقته لغيرهم من فرق الضلال.
٣ - ليس بغريب على المالكي أن ينالَ من أهل السُّنَّة ويشغلَ نفسه بعيبهم، وهو الذي حصل منه القدح في الصحابة والنَّيل منهم، وزعم أنَّ أكثرهم يُذادون عن حوض الرسول ﷺ ويُؤخذون إلى النار، وأنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل همل النَّعم، كما مرَّت الإشارةُ إلى ذلك قريبًا.
٤ - ليس حنبليًّا مَن يغمز الإمامَ أحمد بأنَّه تسبَّب في تفريق المسلمين أحزابًا، حيث قال في (ص: ١٥٤) معلِّقًا على ما ذُكر من حزن اليهود والنصارى والمجوس عند موته، فقال: "ولن يحزن هؤلاء لموته إلاَّ إذا كان منهجه مفيدًا لهم، كأن يفرحوا بتشنيعه على المخالفين له من المعتزلة والشيعة، حتَّى تسبَّب في تفريق المسلمين أحزابًا!! ".
ومَن لَم يسلم منه الإمام أحمد فمِن باب أولَى ألاَّ يسلمَ منه الحنابلة، بل مَن لَم يسلم منه أصحاب رسول الله ﷺ فمِن باب أولَى ألاَّ يسلمَ منه أهل السُّنَّة، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
٥ - أمَّا ما ذكره من أنَّه حنبليُّ النَّشأة والتعليم والالتزام العام الواعي، فإن كان الواقع أنَّه نُشِّئ على ذلك فإنَّه بكتاباته المختلفة يكون قد انحرف عمَّا نُشِّئَ عليه، ويصدق على انحرافه عمَّا تعلَّمه وعقوقه لِمَن علَّمه
[ ١٩ ]
قول الشاعر:
فواعجبًا مِمَّن ربَّيتُ طفلًا ألقمُه بأطراف البنان
أعلِّمه الرمايةَ كلَّ يوم فلمَّا اشتدَّ ساعدُه رماني
وكم علَّمته نظمَ القوافِي فلمَّا قال قافيةً هجانِي
[ ٢٠ ]