قال في (ص: ٢٧): " وإنَّما بمبادرة منَّا نحن المسلمين، الذين رضينا أن نعيش في الصراعات المزمنة وننسى المهمَّة الكبرى التي يجب أن نقوم بها من الاعتصام بحبل الله والالتقاء على الأصول العامة الجامعة من الإيمان (الجملي) بالله واليوم الآخر والرسل والكتب والأنبياء والقضاء والقدر وفعل الواجبات الظاهرة من صلاة وصيام وحج وزكاة والأخلاق الواجبة من عدل وصدق وأمانة ووفاء وتعاون.. إلخ، وترك المحرمات المعروفة من ظلم وسرقة ونهب وغشٍّ وزنا وشرب للخمر وكذب وخيانة إلخ.
فهذه الإيمانيات الكبرى والواجبات الكبرى والمنهيات الكبرى علامات بارزة لِمَن أراد الهداية والاستقامة، وكان له حظ من تدبُّر وتعقُّل، وهذه الإيمانيات والواجبات والمنهيات كلٌّ لا يتجزَّأ وهي التي يتفق عليها جميع المسلمين، فالاعتصام بهذه الأصول الكبرى مع الاتفاق بين المسلمين كانت خيرًا للمسلمين من التركيز على الفرعيات والجزئيات التي لا يمكن الاتفاق فيها مع ما يسبِّبه هذا من التفرُّق والاختلاف بينهم، فما نكرهه في الاجتماع خير مِمَّا نحبه في الفرقة".
وقال في (ص: ٢٨): "ولم ينجُ من كثير من ذلك إلاَّ بعض كتب المجتهدين في الماضي أو الحاضر، وهي قلَّة نسبة إلى هذه الكثرة"، وعلَّق على قوله"أو الحاضر"، فقال: "كالإمام ابن الوزير في كتابه (إيثار الحق على الخلق)، والإمام المقبلي في كتابه (العلم الشامخ في تفضيل الحقِّ على الآباء والمشايخ)، وابن الأمير الصنعاني في كتاب (إيقاظ الفكرة)، وجمال الدين
[ ٤١ ]
القاسمي في كتاب (تاريخ الجهمية والمعتزلة) و(الجرح والتعديل)، وغيرهم من العلماء الذين حاولوا التخلُّص من المذهبية العقدية والفقهية، والعودة لأصول الإسلام الجامعة، والابتعاد عن الجزئيات المفرِّقة، مع إعذار مَن اجتهد فأخطأ من سائر الطوائف الإسلامية! ".
وأجيب عن كلامه هذا بما يلي:
١ - يريد المالكيُّ الاكتفاءَ بإسلام جملي دون التعرُّض للتفاصيل والجزئيات في الأمور الاعتقادية؛ لأنَّها - بزعمه - تفرِّق ولا يمكن الاتفاقُ عليها، مع الإتيان بواجبات ظاهرة وترك منهيات ظاهرة، فهو بذلك يريد إسلامًا لا مجال فيه للحبِّ في الله والبغض في الله، ويُجعل فيه الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ويُجعل المتَّقون فيه كالفجَّار، يريد إسلامًا لا يُقال فيه: "وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة"، ولا يُقال فيه: "وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار"، ولا يُقال فيه: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ"، ولا يُقال فيه: "وستفترق هذه الأمَّة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلاَّ واحدة، وهي الجماعة".
٢ - وأمَّا زعمه إعذار من اجتهد فأخطأ من سائر الطوائف الإسلامية، فهو نظير زعمه في كتابه السيِّء عن الصحابة (ص: ٦١) من أنَّ الإجماع لا بدَّ فيه من اتِّفاق أمَّة الإجابة بفِرَقها المختلفة الفقهية والعقدية والسياسية، ومُقتضى كلامه هذا أنَّه لا يُنكَرُ على أحد في مخالفته في مسائل الاعتقاد، ويُعذَر في خطئه مهما كان كبيرًا، وعلى هذا فيُعذَر مَن قال بأنَّ كلامَ الله مخلوق، ومَن قال إنَّ الله لا يُرى في الدار الآخرة، ومَن قال إنَّ مرتكبَ
[ ٤٢ ]
الكبيرة كافرٌ خالدٌ مخلَّدٌ في النار، ومَن قال لا يضرُّ مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ومن قال إنَّ العبادَ مجبورون على أفعالهم، ومَن قال بأنَّهم خالقون لها، وأيضًا فيُعذَر الكليني صاحب كتاب (الأصول من الكافي) فيما أورده فيه من أبواب، تحتها أحاديث من أحاديث الرافضة المشتملة على غلُوِّهم في الأئمَّة الاثني عشر، منها: "باب أنَّ الأئمَّة ﵈ خلفاء الله ﷿ في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى" (١/١٩٣)، و«باب أنَّ الأئمَّة ﵈ عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله ﷿، وأنَّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها" (١/٢٢٧)، و«باب أنَّه لم يجمع القرآن كلَّه إلاَّ الأئمَّة ﵈، وأنَّهم يعلمون علمه كلَّه" (١/٢٢٨)، و«باب أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل ﵈" (١/٢٥٥)، و«باب أنَّ الأئمة ﵈ يعلمون متى يموتون، وأنَّهم لا يموتون إلاَّ باختيار منهم" (١/٢٥٨)، و«باب أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنَّه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم" (١/٢٦٠)، و«باب أنَّ الله ﷿ لم يعلِّم نبيَّه علمًا إلاَّ أمره أن يعلمه أمير المؤمنين ﵇، وأنَّه كان شريكه في العلم" (١/٢٦٣)، و«باب أنَّه ليس شيءٌ من الحقِّ في يد الناس إلاَّ ما خرج من عند الأئمَّة ﵈، وأنَّ كلَّ شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل" (١/٣٩٩) .
وأيضًا يُعذر الخميني في قوله في كتابه (الحكومة الإسلامية) (ص: ٥٢): "فإنَّ للإمام مقامًا محمودًا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرَّات هذا الكون، وإنَّ من ضروريات مذهبنا أنَّ لأئمَّتنا مقامًا لا يبلغه مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل!!! ".
[ ٤٣ ]
٣ - وأمَّا ما ذكره عن بعض العلماء الذين زعم أنَّهم يقولون بمقالته الخاطئة من الاكتفاء بإسلام لا يُتعرَّض فيه لجزئيات العقيدة، فسيأتي الكلام على ذلك في آخر هذا الكتاب.
[ ٤٤ ]