وقد رأيتُ من المناسب أن أورد هنا آياتٍ من كتاب الله وأحاديثَ من سُنَّة رسول الله - ﷺ - في أهميّة حفظ اللسان من الكلام إلاَّ في الخير؛ وذلك نصيحة لنفسي وللمالكي ولِمَن شاء الله أن يطَّلع على هذه الرسالة، وأسأل الله للجميع التوفيقَ لِمَا تُحمد عاقبتُه في الدنيا والآخرة.
قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وفي صحيح مسلم (٢٥٨٩) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أتدرون ما الغيبةُ؟ قالوا: الله ورسولُه أعلم، قال: ذكرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لَم يكن فيه فقد بهتَّه» .
وقال الله ﷿: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ .
روى البخاري في صحيحه (١٠) عن عبد الله بن عمرو عن النَّبِيِّ - ﷺ - قال: «المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده»، ورواه مسلم في صحيحه (٦٤) أنَّ رجلًا سأل رسولَ الله - ﷺ -: أيُّ المسلمين خيرٌ؟ قال:
«مَن سلم المسلمون من لسانه ويده» .
[ ١٤٠ ]
وروى مسلمٌ أيضًا من حديث جابر (٦٥) بلفظ حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري.
أقول: ولا شكَّ أنَّ أولى المسلمين بالسلامة من اللسان ومن الكتابة باليد أصحابُ رسول الله - ﷺ -، قال الحافظ في شرح الحديث: «والحديث عامٌّ بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأنَّ اللسانَ يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم! يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإنَّ أثرها في ذلك لعظيم» .
وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
كتبتُ وقد أيقنتُ يوم كتابتِي بأنَّ يدي تفنَى ويبقى كتابُها
فإن عملَت خيرًا ستُجزى بمثله وإن عملت شرًّا عليَّ حسابُها
وروى البخاري في صحيحه (٦٤٧٤) عن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن يضمن لي ما بين لحْيَيْه وما بين رجليه أضمن له الجنَّة»، المراد بِما بين اللّحْيَيْن والرِّجْلَين اللسانُ والفرْجُ.
وروى البخاري في صحيحه (٦٤٧٥) ومسلم في صحيحه (٧٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» الحديث.
قال الإمام أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه روضةُ العقلاء ونزهة الفضلاء (ص:٤٥): «الواجبُ علىالعاقل أن يلزم الصمتَ إلى أن يلزمه التكلُّمُ، فما أكثرَ مَن ندم إذا نطق، وأقلَّ من يندم إذا سكت، وأطول الناس شقاءً وأعظمهم بلاءً من ابتُلي بلسانٍ مطلقٍ، وفؤادٍ مطبقٍ» .
وقال أيضًا (ص:٤٧): «الواجبُ على العاقل أن يُنصف أذنيه من فيه،
[ ١٤١ ]
ويعلم أنَّه إنَّما جُعلت له أذنان وفم واحدٌ ليسمع أكثر مِمَّا يقول؛ لأنَّه إذا قال ربَّما ندم، وإن لَم يقل لَم يندم، وهو على ردِّ ما لَم يقل أقدر منه على ردِّ ما قال، والكلمةُ إذا تكلَّم بها ملكَتْه، وإن لَم يتكلَّم بها ملكها» .
وقال أيضًا في (ص:٤٩): «لسانُ العاقل يكون وراء قلبه، فإذا أراد القولَ رجع إلى القلب، فإن كان له قال، وإلاَّ فلا، والجاهلُ قلبُه في طرف لسانه، ما أتى على لسانه تكلَّم به، وما عقل دينَه من لَم يحفظ لسانه» .
وروى البخاري في صحيحه (٦٤٧٧) ومسلم في صحيحه (٢٩٨٨)، واللفظُ لمسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّ العبدَ ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب» .
وفي آخر حديث وصيّة النَّبِيِّ - ﷺ - لمعاذ أخرجه الترمذي (٢٦١٦) وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، قال - ﷺ -: «وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم أو على مناخِرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم»، قاله جوابًا لقول معاذ ﵁: «يا نبيَّ الله! وإنَّا لمؤاخذون بِمَا نتكلَّم به؟» .
قال الحافظ ابن رجب في شرحه من كتابه جامع العلوم والحكم (١/١٤٧): «والمرادُ بحصائد الألسنة: جزاءُ الكلام المحرَّم وعقوباته؛ فإنَّ الإنسانَ يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيِّئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمَن زرع خيرًا مِن قولٍ أو عملٍ حَصَد الكرامة، ومن رزع شرًاّ من قولٍ أو عملٍ حصد غدًا الندامة» .
وروى مسلم في صحيحه (٢٥٨١) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أتدرون مَن المُفلِس؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهم له ولا متاع، فقال: إنَّ المفلسَ من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا،
[ ١٤٢ ]
فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيَتْ حسناتُه قَبْل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثمَّ طُرح في النار» .
وروى مسلم في صحيحه (٢٥٦٤) عن أبي هريرة ﵁ حديثًا طويلًا جاء في آخره: «بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ، دمُه ومالُه وعرضُه» .
وروى البخاري في صحيحه (١٧٣٩) ومسلم في صحيحه واللفظُ للبخاري عن ابن عباس ﵄ «أنَّ رسول الله - ﷺ - خطب الناسَ يوم النحر، فقال: يا أيُّها الناس! أيُّ يومٍ هذا؟ قالوا: يومٌ حرامٌ، قال: أيُّ بلدٍ هذا؟ قالوا: بلدٌ حرامٌ، قال: فأيُّ شهرٍ هذا؟ قالوا: شهرٌ حرامٌ، قال: فإنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومِكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسَه فقال: اللهمَّ هل بلَّغتُ؟ اللهمَّ هل بلَّغتُ؟ قال ابنُ عباس ﵄: فوالَّذي نفسي بيده! إنَّها لوصيَّتُه إلى أمَّته، فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضُكم رقابَ بعض» .
وروى مسلم في صحيحه (٢٦٧٤) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَن دعا إلى هُدى كان له مِن الأجر مثل أجور مَن تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» .
قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (١/٦٥) تعليقًا على حديث «إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلاَّ من إحدى ثلاث » الحديث، قال: «وناسخ العلم النافع له أجره وأجر من قرأه أو نَسَخَه أو عمل به من بعده ما بقي خطُّه والعملُ به؛ لهذا الحديث وأمثاله، وناسخ غير النافع مِمَّا
[ ١٤٣ ]
يوجب الإثمَ، عليه وزره ووزر مَن قَرَأَه أو نَسَخَه أو عمل به من بعده ما بقي خطُّه والعملُ به؛ لِمَا تقدم من الأحاديث (مَن سنَّ سُنَّةً حسنة أو سيِّئة)، والله أعلم» .
وروى البخاري في صحيحه (٦٥٠٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله قال: مَن عادَى لِي وَلِيًاّ فقدآذنتُه بالحرب» الحديث.
وإذا كان هذا في وَلِيٍّ واحدٍ من آحاد الأولياء، فكيف بالكثيرين من أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين هم ساداتُ الأولياء ﵃ وأرضاهم.
* * *
وإلى هنا انتهت هذه الرسالة التي هي من أحبِّ كُتُبِي إلى نفسي، وأرجاها لي عند ربِّي؛ لِمَا تضَمَّنتْه من الدِّفاع عن الصحابة الأخيار والذَّبِّ عنهم، والحمد لله الذي مَنَّ عليَّ بِحُبِّهم، وبغض مَن يُبغضهم، وبغير الخير يَذكرُهم، ورضي الله عن أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ - الذي أظهر فرحَ الصحابة الشديد لحديث «المرء مع من أحبَّ» فقال بعد روايته للحديث كما في صحيح البخاري (٣٦٨٨): «فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النَّبِيِّ - ﷺ -: أنت مع من أحببتَ، قال أنس: فأنا أُحبُّ النَّبِيَّ - ﷺ - وأبا بكر وعُمر، وأرجو أن أكون معهم بِحُبِّي إيَّاهم، وإن لَم أعمل بمثل أعمالِهم»، والحديث متواترٌ، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره سورة الشورى، عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ .
أقول: وأنا أُحبُّ رسولَ الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا والحَسَن والحُسين وأمَّهما فاطمة وأمَّهات المؤمنين وأنس بنَ مالك قائل هذا الكلام وسائرَ الصحابة ﵃، وأرجو أن أكون معهم بِحُبِّي إيَّاهم، وإن لَم أعمل بمثل أعمالِهم.
[ ١٤٤ ]
اللهمَّ إنَّك تعلمُ ما في قلبِي من الحبِّ للصحابةِ الأخيار والقرابة الأطهار، وتعلم سلامةَ لساني وقلبي مِمَّا لا يليق بهم، وتعلم أنَّ ما كتبتُه انتصارٌ لصحابةِ نبيِّك - ﷺ - ورضي الله عنهم وأرضاهم، اللهمَّ إنِّي أسألك بهذا الحبِّ والسلامة والانتصار أن تُثبِّتَنِي بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن تُحسِنَ عاقبَتِي في الأمور كلِّها، وتُجيرَنِي من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة، وأن تدخلَنِي الجنَّة، وتُعيذَنِي من النار، ربِّ أوزِعنِي أن أشكر نعمتَك التي أنعمتَ عليَّ وعلى والِديَّ وأن أعمل صالِحًا ترضاه، وأدخلنِي برحمتِك في عبادك الصَّالحين، ربِّ أوزِعنِي أن أشكر نعمتَك التي أنعمتَ عليَّ وعلى والدَيَّ وأن أعمل صالِحًا ترضاه، وأَصلِح لي في ذُريَّتِي إنِّي تُبتُ إليك وإنِّي من المسلمين، اللهمَّ اغفر لي ولآبائي وأمَّهاتِي وأهلِي وأبنائي وبناتِي وإخوانِي وأخواتِي وأعمامي وعمَّاتي وأخوالِي وخالاتي وأصهاري وسائر أقربائي وشيوخي وأصدقائي وزملائي وتلاميذي وسائر المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنَّك سميعٌ مجيبُ الدَّعوات، ربَّنا آتنا من لدنك رحمةً وهيِّء لنا من أمرنا رشدًا، ربَّنا لا تُزِغ قلوبَنا بعد إذ هديتَنا وهَب لنا من لدنك رحمة إنَّك أنت الوهَّاب، ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلًاّ للذين آمنوا ربَّنا إنَّك رؤوف رحيم، سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين.
وكان الفراغ من تأليف هذه الرسالة صباح يوم الجمعة ٢٧ شوال ١٤٢٢هـ.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
[ ١٤٥ ]