وقال في (ص:٣١ - ٣٢): «الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ الله الحُسْنَى وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
أقول: الغريب أنَّ بعضَ الناس يستدلُّ بهذه الآية على أنَّ كلَّ الصحابة في الجنَّة؛ لأنَّ الله قد وعد المتقدِّمين منهم والمتأخرين بالجنة، ووعدُه حقٌّ لن يُخلفه!
أقول: إمَّا أن تكون هذه الآية تشمل المهاجرين والأنصار ﴿مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾، وتفضلهم على من جاء بعدهم إلى فتح مكة فقط، ولا تشمل الطُّلَقاءَ ولا العُتقاء ولا غيرَهم مِمَّن لَم يُقاتِل ولَم ينفق في هذه الفترة؛ لأنَّ سورةَ الحديد نزلت قبل فتح مكة، وعلى هذا فلا يشملهم الثناء، ثمَّ هي مقيَّدةٌ بالإنفاق والقتال.
[ ٤٧ ]
مثلما الثناء على المهاجرين والأنصار لا يشملنا، فكذلك الثناء على المسلمين من بعد الحُديبية إلى فتح مكة لا يشمل مَن أسلم في الفتح أو بعد ذلك، وإمَّا أن تكون الآيةُ شاملةً لهؤلاء ولنا من باب الأولى، لكن هناك شرط الإحسان الذي سبق في الآية السابقة، بمعنى أنَّ الله وعد بالجنَّة المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان، أمَّا المتَّبعون بغير الإحسان فلا يُقال فيهم هذا.
والخلط بين الأمور هو الذي سبَّب لنا الخلل الكبير في الرؤية التعميمية التي خلطنا بها الطُّلَقاء مع السابقين، فلا بدَّ من وضع الأمور في مواضِعها الصحيحة» .
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
الأول: أنَّ للعلماء في المراد بالفتح في هذه الآية قولين، ذكرهما ابن كثير والشوكاني:
أحدهما: أنَّه فتح مكة، وهو قول الجمهور.
والثاني: أنَّه صلح الحُديبية.
وعلى قول الجمهور فالآيةُ تدلُّ على تفضيل القتال والإنفاق مِمَّن كانوا قبل فتح مكة، على القتال والإنفاق مِمَّن كانوا بعد فتحها، وهو متَّفق مع ما جاءت به الأحاديث من استمرار الهجرة المحمود أهلها إلى فتح مكة، وهو يردُّ قولَ المالكي في قصْر الصُّحبة والهجرة المحمود أهلها على مَن كانوا قبل صُلح الحُديبية.
وعلى القول بأنَّ المرادَ بالفتح صلح الحُديبية فليس هناك دليل يَمنعُ من دخول بقيَّة أصحاب رسول الله - ﷺ - مِمَّن كان إسلامُهم وصُحبتُهم بعد
[ ٤٨ ]
الحُديبية إلى حين وفاته - ﷺ - في الوعد الكريم الذي دلَّت عليه الآية، مع القطع بالتفاوت بين المتقدِّمين منهم والمتأخرين.
الثاني: أنَّه لا وجه لاستغراب المالكي الوعد لجميع الصحابة بالحُسنى وهي الجنَّة، ومِمَّن فسَّر ﴿الحُسْنَى﴾ في الآية بالجنَّة القرطبيُّ والشوكاني والشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفاسيرهم، وقدجاء في السُّنَّة تفسير ﴿الحُسْنَى﴾ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ بأنَّها الجنَّة، وذلك من حديث صُهيب ﵁ عند الإمام مسلم (٢٩٧ - ٢٩٨) .
فلماذا هذا الاستغراب، وفضلُ الله واسعٌ ورحمتُه وسعت كلَّ شيء؟!
وأسْعَدُ الناسِ بجنَّتِه ورحمتِه أصحابُ رسوله - ﷺ - الذين هم خير هذه الأمَّة، التي هي خير أمَّة أُخرجت للناس، الذين اختارهم الله لِصُحبته، ومتَّع أبصارَهم في هذه الحياة الدنيا بالنظر إلى طلعته، ومتَّع أسماعَهم بسماع القرآن والسُّنَّة منه - ﷺ - ونقلهما إلى الناس بعدهم، وهم الواسطة بين الرسول - ﷺ - وبين غيرهم.
* * *