قال في (ص:٢٥ - ٢٧): «الدليلُ الأوَّلُ: مع أنَّ غزوةَ تبوك في السنة التاسعة بعد العودة من حصار الطائف، وكان عددُ جيش المسلمين فيها ثلاثين ألفًا، يعتبر المهاجرون والأنصار فيهم قلَّة، ومع ذلك لَم يأت الثناءُ إلاَّ عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
[ ٣٤ ]
والسؤال: لماذا لَم يخبرنا الله ﷿ أنَّه قد تاب على كلِّ جيش
النَّبِيِّ - ﷺ - يوم تبوك؟! لماذا لَم يقل الله ﷿: (لقد تاب الله على النبي والذين آمنوا الذين اتّبعوه في ساعة العسرة )؟! أو ( على النَّبِيِّ والمؤمنين )؟!
الجوابُ واضحٌ بأنَّ تخصيصَ الله ﷿ المهاجرين والأنصار بالتوبة دليلٌ على أنَّ مَن سواهم ليسوا في منزلتهم، ولا يجوز الجزمُ بالتوبة عليهم.
وإنَّما نسكتُ عنهم كما سكت الله عنهم، وكأنَّ الله - والله أعلم - أراد بقَصْره الثناءَ على المهاجرين والأنصار أن يُشعر مَن سواهم بأنَّ المهاجرين والأنصار لَم يستحقوا التوبة عليهم من الله إلاَّ بأعمال جليلةٍ قدَّموها في الماضي، وأنَّ على مَن سواهم أن يُكثروا من التَّأسِّي بهم حتى يتوب الله عليهم كما تاب على المهاجرين والأنصار، والغريبُ أنَّ بعضَ الذين يَخلطون الأمورَ يستدلُّون بالآية السابقة على أنَّ الله تاب على جميع الصحابة، مع أنَّ الله ﷿ كان يستطيع أن يقول ذلك ويُعمِّم التوبةَ على كلِّ المؤمنين يومئذ، ولكنَّه لَم يقتصر على المهاجرين والأنصار إلاَّ لحكمة!!» .
وعلَّق في الحاشية على قوله: «والغريبُ أنَّ بعضَ الذين يخلطون الأمورَ يستدلُّون بالآية السابقة على أنَّ الله تاب على جميع الصحابة» بقوله:
«ويقصدون بالصحابة كلَّ مَن رأى النَّبِيَّ - ﷺ - أو لَقِيَه من المسلمين، ثمَّ يقولون هذا وقلوبهم على الطُّلَقاء!!» .
والجوابُ عن ذلك من وجوه:
الأوّل: أن يقال: إنَّ الآيةَ مشتملةٌ على توبة الله على المهاجرين والأنصار الذين معه في غزوة تبوك، لكن ليس في ذلك دليلٌ على ما زعمه
[ ٣٥ ]
من قصر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية وهو الذي من أجله أورد الآية، وسبق أن أوردتُ الأدلَّةَ الدالَّة على شمول الصحبة لكلِّ مَن صحبه أو رآه بعد الحُديبية إلى حين وفاته - ﷺ -.
الثاني: أنَّ الآيةَ دالَّةٌ على توبة الله ﷿ على مَن أسلم وهاجر إلى المدينة بعد الحُديبية وقبل فتح مكة، ومنهم أبو موسى الأشعري وأبو هريرة وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهم، وقد أخرجهم المالكي، وسبق أن ذكرت الأدلَّةَ الدالَّة على استمرار الهجرة المحمود أهلها إلى فتح مكة.
الثالث: أنَّ الآيةَ وإن لَم تنصَّ على التوبة على غير المهاجرين والأنصار، فليس فيها دليلٌ على حرمان الذين أسلموا بعد الفتح وخرجوا مع النَّبِيِّ - ﷺ - إلى تبوك من فضل الله ورحمته، بل قد ثبت في السُّنَّة الصحيحة حصول الأجر لِمَن لَم يخرج إلى تبوك بسبب العذر، تبعًا للخارجين إليها، فقد روى البخاري في صحيحه (٤٤٢٣) عن أنس ﵁: «أنَّ رسول الله - ﷺ - رجع من غزوة تبوك فَدَنَا من المدينة فقال: إنَّ بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلاَّ كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حَبَسَهم العُذر» .
وروى مسلم في صحيحه (١٩١١) بإسناده عن جابر ﵁ قال: «كنَّا مع النَّبِيِّ - ﷺ - في غزاة، فقال: إنَّ بالمدينة لرجالًا ما سِرتُم مسيرًا ولا قطعتُم واديًا إلاَّ كانوا معكم، حبسهم المرض» .
وبإسنادٍ آخر إليه، وفيه زيادة: «إلاَّ شَرَكوكم في الأجر»، فلماذا تحجر الواسع؟! ولماذا البخل على أهل الفضلِ بما تفضَّل الله به عليهم مِمَّن كانوا معه في غزوة تبوك من الطُّلَقاء وغيرهم، وقد فاتتهم الهجرة، لكن لَم يَفُتهم الجهادُ والنيَّة والنَّفيرُ عند الاستنفار؟! فقد قال - ﷺ -: «لا هجرة بعد
[ ٣٦ ]
الفتح، ولكن جهادٌ ونيَّة، وإذا استُنفرتم فانفروا» أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، واللفظ للبخاري (٢٨٢٥) .
ثمَّ إنَّ الأنصارَ الذين أثنى الله عليهم في كتابه العزيز إنَّما حصَّلوا اسمَ النُّصرة ووصْفَها لكونِهم نصروا الرسول - ﷺ -، وقد حصَّل المهاجرون وصْفَ النُّصرةِ مع الهجرة، ومَن لَم يكن من المهاجرين والأنصار وقد نصر النَّبِيَّ - ﷺ - وجاهد معه في سبيل الله له نصيبٌ من هذا الوصف في الجملة، وله الثواب الجزيل من الله على ما حصل منه من النُّصرة، وقد نوَّه الله بفضل وثواب مَن آمن وجاهد مع رسول الله - ﷺ - في غزواته - ومنها تبوك - بقوله: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ أَعَدَّ الله لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، وأخبر أنَّه كافيه وكافي مَن اتَّبعه من المؤمنين في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
* * *