قال في (ص:٢٧ - ٢٩): «الدليل الثاني: قول الله ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
فهنا أخبر الله ﷿ بثلاث طوائف كانت كلُّها في عهد النَّبِيِّ - ﷺ -:
[ ٣٧ ]
الطائفة الأولى: السابقون من المهاجرين، وهذا قيْدٌ يُخرج المتأخِّرين من المهاجرين كخالد بن الوليد ﵁، ولا يدخل فيهم أبناء المهاجرين ولا رجال الوفود إن لَم يبقوا في المدينة، حتى ولو أسلموا قبل الحُديبية.
والطائفةُ الثانية: هم الأنصار، ولا يدخل فيهم أبناء الأنصار (الأطفال) كما لا يدخل في المهاجرين أبناءُ المهاجرين.
الطائفة الثالثة: الذين اتَّبعوهم بإحسان، كالمهاجرين بعد الحُديبية والمهاجرين من وفود العرب مِمَّن ثبت على الإسلام أيَّام الرِّدَّة، ومنهم أبناءُ المهاجرين وأبناء الأنصار، وقد يدخل في هؤلاء مَن حسن إسلامه من طُلقاء قريش وعُتقاء ثقيف وغير هؤلاء.
إذن فالمهاجرون والأنصار لَم يشترط الله فيهم (الإحسان)؛ لأنَّ الهجرةَ والنُّصرةَ اللَّتين تقتضيان الإنفاقَ والجهادَ في أيَّام الضَّعف هما من أفضل الأعمال، ولا يحتاج هذا لقيد الإحسان، فلَم يقل: ( من المهاجرين بإحسان والأنصار بإحسان)؛ لأنَّ الرَّجلَ إن قام بالهجرة التي تقتضي ترك الأوطان والأولاد هي غاية الإحسان، كما أنَّ النُّصرة التي أجلبت على الأنصار قبائل العرب، مع تحمُّلِهم مهمَّة حماية الإسلام في أيامه الأولى لا تحتاج لقيد الإحسان؛ لأنَّها في الذِّروة منه.
أما بعد قوَّة الإسلام والمسلمين فأصبحت الهجرةُ إلى النَّبِيِّ - ﷺ - تعود على نفس المهاجر بالمصلحة بعد أن كانت قبل ذلك تعود على النَّبِيِّ - ﷺ - بالمصلحة وعلى المهاجر أيضًا، أمَّا بعد فتح مكة فأصبح الالتحاق بالمسلمين يعني الغنيمة والسلامة لكثرة المال وأمن القتل.
ولهذا كلِّه نعرف لماذا قَصَرَ الله ﷿ الثناءَ على المهاجرين والأنصار فقط، ثمَّ قيد المهاجرين بالسابقين منهم، وهم المهاجرون الهجرة الشرعية!!» .
[ ٣٨ ]
ويُجاب على ذلك بما يلي:
الأول: أنَّه ليس في الآيةِ دليلٌ على ما أُورِدَت الآية من أجله، وهو قصر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية، ثمَّ إنَّه جاء في سياق الآية عند المالكي زيادة حرف «من» قبل ﴿تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾، وهو خطأ، وهذا هو الموضع الوحيد في القرآن الذي لَم يأت فيه حرف «من» قبل ﴿تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ .
الثاني: جاء في الآية وصْف المهاجرين بالسابقين، وهو يدلُّ على أنَّ المهاجرين فيهم سابقون وفيهم متأخِّرون، وقد ذكر ابنُ كثير في تفسيره عند تفسير هذه الآية قولين في المراد بالسَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، أحدهما: أنَّهم الذين أدركوا بيعة الرِّضوان عام الحُديبية، والثاني: أنَّهم الذين صلَّوا إلى القبلتين مع رسول الله - ﷺ -، وقدكان تحويل القبلةِ إلى الكعبة بعد الهجرة بستة عشر شهرًا.
وعلى القول الأول يكون المهاجرون المتأخِّرون مَن هاجر بعد الحُديبية وقبل فتح مكة، ومِن هؤلاء خالد بن الوليد ﵁ وغيره، وقد أخرجهم المالكي من الصحبة ذات المدح والثناء، وكذلك الهجرة ذات المدح والثناء.
الثالث: أنَّ الذين اتَّبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول: صحابة، وهم الذين صحبوا الرسول - ﷺ - ورأوه.
والثاني: الذين لَم يَصحبوا النَّبِيَّ - ﷺ - ولَم يرَوه، مِمَّن كان في زمنهم أو بعدهم.
[ ٣٩ ]
ويحصلُ للجميع الأجرُ العظيمُ الموعود به في الآية.
الرابع: أنَّ ما ذكره عن المهاجرين بعد الحُديبية وقبل فتح مكة من أنَّ «الهجرة تعود على نفس المهاجر بالمصلحة، بعد أن كانت قبل ذلك تعود على النَّبِيِّ - ﷺ - بالمصلحة وعلى المهاجر أيضًا» غير صحيح؛ فإنَّ المصلحة تعود بجهاد مَن جاهد منهم على النَّبِيِّ - ﷺ - والمسلمين، ومن أوضح الأمثلة لذلك ما حصل لخالد بن الوليد ﵁ من البلاء الحسن في الغزوات التي شهدها، ومنها غزوة مُؤْتة التي أمَّر نفسَه فيها بعد استشهاد الأمراء الثلاثة الذين عَيَّنَهم الرسول - ﷺ -، وما حصل من الفتح للمسلمين في إمارته، فقد روى البخاري في صحيحه (٤٢٦٢) بإسناده عن أنس ﵁: «أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَعى زيدًا وجعفرًا وابنَ رواحة للناس قبل أن يأتيَهم خبرُهم، فقال: أخذ الرايةَ زيدٌ فأُصيب، ثمَّ أخذ جعفرٌ فأُصيب، ثمَّ أخذ ابنُ رواحة فأُصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الرايةَ سيفٌ من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» .
وهذا السيف من سيوف الله لَم يظفر بشرف الصُّحبة لرسول الله - ﷺ - على رأي المالكي الباطل الذي قَصَر فيه الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية.
ومن أوضَح الأمثلة أيضًا ثبوت العباس بن عبد المطلب وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب - وهو من الطُّلقاء - مع رسول الله - ﷺ - حينما انهزم الناسُ يومَ حُنين، ففي صحيح مسلم (١٧٧٥) من حديث العباس ﵁ قال: «شهدتُ مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فلزمتُ أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسولَ الله - ﷺ - فلَم نفارِقه، ورسول الله - ﷺ - على بغلةٍ له بيضاء، أهداها له فروة بن نُفاثة الجذامي، فلمَّا التقى
[ ٤٠ ]
المسلمون والكفَّار ولَّى المسلمون مُدبرين، فطَفِق رسولُ الله - ﷺ - يُركضُ بغْلَتَه قِبَل الكفَّار، قال عباس: وأنا آخذٌ بلجام بغلةِ رسول الله - ﷺ - أكفُّها إرادةَ أن لا تُسرِع، وأبو سفيان آخذٌ برِكاب رسول الله - ﷺ - » الحديث.
وهذان الصحابيان الجليلان عمُّه وابنُ عمِّه اللذان ثَبَتَا مع رسول الله - ﷺ - ولَم يفِرَّا يوم حُنين وقد عادت مصلحةُ إسلامهما في هذه الغزوة على الرسول - ﷺ -، لا يعتبرهما المالكي من الصحابة؛ لأنَّ إسلامهما بعد الحُديبية، وهو يقصُر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية.
الخامس: أنَّ قولَه: «أمَّا بعد فتح مكة فأصبح الالتحاق بالمسلمين يعني الغنيمة والسلامة؛ لكثرة المال وأمن القتل» غيرُ صحيح؛ لأنَّ المجاهدَ في سبيل الله ليست سلامتُه من القتل مُحقَّقةً؛ فإنَّه قد يُقتل وقد يسلَم.
السادس: أمَّا ما ذكره من أنَّ أبناءَ المهاجرين لا يدخلون في المهاجرين، وأنَّ أبناءَ الأنصار لا يدخلون في الأنصار، وقد قصَر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار، فمُقتضاه أنَّ أبناء المهاجرين والأنصار ليسوا من الصحابة، وسبق أن ذكرتُ أنَّ مَن رأى النَّبِيَّ - ﷺ - من أبناء المهاجرين والأنصار فهو من الصحابة، بخلاف مَن لَم يرَه منهم.
* * *