قال في (ص:٤٢ - ٤٣): «الدليل الثاني عشر: قول النَّبِيِّ - ﷺ -: (المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطُّلَقاء من قريش والعُتقاء من ثقيف بعضُهم أولياء بعض إلى يوم القيامة) .
أقول: وهذا الحديث واضحٌ في أنَّ طُلَقاء قريش وعُتقاء ثقيف ليسوا من المهاجرين ولا من الأنصار، وعلى هذا فلا يستحقُّون الفضائلَ التي نزلت في فضل المهاجرين والأنصار، وعلى هذا لا يجوز لنا أن نخلط الأمورَ ونرفع مَن وَضعه الله أو نضع مَن رفعه الله !!» .
والجواب:
أنَّ الحديثَ صحيحٌ، وقد أوردتُه فيما تقدَّم في الأدلَّة الدَّالة على استمرار الهجرةِ المحمود أهلُها إلى فتح مكة، وليس إلى صُلح الحُديبية كما زعم المالكي، وهو لا يدلُّ على أنَّ العُتقاء والطُّلَقاء ليسوا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وإنَّما يدلُّ على التَّماثل والتشابه بين المهاجرين والأنصار،
[ ٥٣ ]
وبين الطُّلَقاء والعُتقاء، وليس فيهم مَن وَضعه الله كما زعم، بل كلُّهم قد رفعهم الله لِصُحبتِهم الرسول - ﷺ -، مع تفاوتِهم في الرِّفعة.
وكون المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض لا يتنافى مع كون العُتقاء والطُّلَقاء بعضهم أولياء بعض؛ فإنَّ الصحابةَ جميعًا خيار المؤمنين، وقد قال الله ﷿: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية، وقد قال ابن كثير في تفسيره في تفسير الآيات من آخر سورة الأنفال: «ذكر تعالى أصنافَ المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاؤوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالَهم وأنفسهم في ذلك، وإلى أنصار: وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانَهم المهاجرين في منازلِهم وواسَوهم في أموالِهم، ونَصَروا الله ورسولَه بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، أي: كلٌّ منهم أحقُّ بالآخر من كلِّ أحد، ولهذا آخى رسول الله - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار، كلّ اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثًا مقدَّمًا على القرابة، حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث» .
* * *