قال في (ص: ٤٠ - ٤٢): «الدليل الحادي عشر: حديث أبي سعيد الخدري: (لَمَّا كان يوم الفتح قرأ النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾، قال: الناس حَيِّز، وأنا وأصحابي حيِّز، فغضب مروان وأراد أن يضربَ أبا سعيد الخدري، فلمَّا رأى ذلك رافع بنُ خديج وزيد ابنُ ثابت قالا: صدق) ذكرتُه مختصرًا» .
[ ٥٤ ]
وقد علَّق عليه قائلًا: «مسند الإمام أحمد (٤/٤٥) - دار الفكر، الحديث رواه الإمام أحمد، عن محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عَمرو بن مُرَّة، عن أبي البَختري الطائي، عن أبي سعيد الخدري، وهذا إسنادٌ صحيح على شرط الشيخين، فالإمام أحمد وشيخه غندر وشعبة من كبار أئمَّة الحديث الثقات الأثبات، وعمرو بن مرَّة شيخ شعبة ثقة عابد من رجال الجماعة، وأبو البختري اسمه سعيد بن فيروز وهو ثقة ثبت من رجال الجماعة وهو يرسل، وقد أخرج الشيخان عنعنته في صحيحيهما، فالإسناد من أصحِّ الأسانيد، كلُّهم رجال الجماعة إلاَّ أحمد بن حنبل وهو ثقة إمام!!!» .
وقال: «فهذا الحديث فيه إخراج واضحٌ للطُّلَقاء الذين دخلوا في الإسلام من أصحاب النَّبِيِّ - ﷺ - بأكثر من دلالة:
الدلالة الأولى: تلاوته - ﷺ - لسورة النصر التي فيها ذكر (الناس) الذين يدخلون في دين الله أفواجًا، هؤلاء الناس المراد بهم الطُّلَقاء، ثمَّ أخبرنا النَّبِيُّ - ﷺ - بأنَّ (الناس حَيِّز)، وهو وأصحابه حيِّز آخر!! فماذا يعنِي هذا؟
هذا بكلِّ وضوح لا يعنِي إلاَّ أنَّ هؤلاء (الناس) لايدخلون في (الأصحاب) الذين فازوا بتلك (الصحبة الشرعية) التي تستحقُّ الثناء وتتنزَّل فيها كلُّ الثناءات على الصحابة، فإذا سمعنا بأيِّ حديث يُثنِي على (أصحاب النَّبِيِّ - ﷺ -) أو أيِّ أثرٍ من الصحابة خاصَّة يُثنِي على (أصحاب النَّبِيِّ)، فلا تنزل تلك الأحاديث والآثار إلاَّ على هؤلاء (الأصحاب) الذين فصلهم النَّبِيُّ - ﷺ - عن سائر (الناس) من غيرهم، وأول الناس دخولًا في هؤلاء (الناس) هم الطُّلَقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة، ولا يجوز أن نجمعَ بين (حيِّزين) قد فرَّق بينهما النَّبِيُّ - ﷺ -، ومَن تأكَّد له هذا ثمَّ أراد أن يجعل (
[ ٥٥ ]
الحيِّزين) حيِّزًا واحدًا فقد اتَّهم النَّبِيَّ - ﷺ - بعدم الإنصاف، مثلما اتَّهمه ذو الخُويصِرة يوم حُنين!! ونعوذ بالله أن نردَّ حديثَ رسول الله - ﷺ - أو نُؤوِّلَه على غير مراده - ﷺ -، ذلك المراد الذي يظهر بوضوح من لفظ الحديث الصريح.
الدلالة الثانية: غضبُ مروان بن الحكم الذي أراد أن يضرب أبا سعيد الخدري على رواية هذا الحديث؛ لأنَّ هذا الحديث يعنِي إخراج مروان ووالده ومعاوية - الذي يعمل له مروان - من الصحابة إلى (الناس) الذين ليس لهم ميزة عن سائر الناس!!
الدلالة الثالثة: فهمُ رافع بن خديج وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري، فالثلاثة عَرفوا أنَّ هذا سيُغضب مروان، ولكنَّهم صدَعوا بكلمة الحقِّ بعد أن كاد يُخفيها زيد ورافع، خوفًا على نفسيهما من مروان!!
شبهة: وقد يقول البعض أنَّهم (الناس) من الطُّلَقاء وغيرهم قد اكتسبوا الصحبة فيما بعد؟!
نقول: هم (الطُّلَقاء) والعتقاء أولياء بعضهم لبعض إلى يوم القيامة، وكلا الطائفتين لا تدخلان لا في المهاجرين ولا في الأنصار؛ لما سبق شرحه» .
ويُجاب عن ذلك بِما يلي:
الأول: أنَّ الحديثَ ضعيفٌ، والإسنادَ غيرُ صحيح فضلًا عن أن يكون من أصحِّ الأسانيد كما زعم المالكي؛ للانقطاع بين أبي البَختري وبين أبي سعيد، ففي تهذيب الكمال للمزي في ترجمة أبي البَختري سعيد بن فيروز: «وقال أبوداود: لَم يسمع من أبي سعيد»، وقول أبي داود هذا هو في سننه قال عقِب الحديث (رقم:١٥٥٩): «قال أبو داود: أبو البَختَري لَم يسمع من أبي سعيد» .
[ ٥٦ ]
وفي تهذيب التهذيب لابن حجر في ترجمة أبي البَختري: «وقال ابن سعد: وكان كثيرَ الحديث يرسل حديثَه، ويروي عن الصحابة ولَم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سَماعًا فهو حسن، وما كان غيره فهو ضعيف، وقال ابن أبي حاتم في المراسيل عن أبيه: لَم يُدرك أبا ذر ولا أبا سعيد ولا زيد بن ثابت ولا رافع بن خديج، وهو عن عائشة مرسل» .
الثاني: أنَّ ما ذكره من إخراج الشيخين عنعنة أبي البَختري في صحيحيهما غيرُ مُسلَّم؛ لأنَّهما لَم يُخرجَا له عن أبي سعيد شيئًا، وكلُّ الذي له في الكتب الستة من روايته عن أبي سعيد ثلاثة أحاديث، خرَّجها بعضُ أصحاب السنن، كما في تحفة الأشراف للمزي (٣/٣٥٦ - ٣٥٧)، ولو صحَّ أنَّ الشيخين خرَّجَا له من روايته عن أبي سعيد بالعنعنة فإنَّ قبول ذلك يكون مُختَصًّا بما في الصحيحين لاشتراطهما الصِّحةَ فيهما، ولا تُقبل العنعنة في غيرهما إلاَّ مع ثبوت التصريح بالسماع، قال النووي في مقدمة شرحه على صحيح مسلم (١/٣٣): «واعلم أنَّ ما كان في الصحيحين عن المدلسين بـ (عن) ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، وقد جاء كثيرٌ منه في الصحيح بالطريقين جميعًا، فيذكر رواية المدلس بـ (عن) ثمَّ يذكرها بالسماع ويقصد به هذا المعنى» .
الثالث: وقوله عن رجال الإسناد: «كلُّهم رجال الجماعة إلاَّ أحمد بن حنبل وهو ثقة إمام»، أقول: لا وجه لاستثناء الإمام أحمد؛ فإنَّه من رجال الجماعة.
الرابع: أنَّه لو صحَّ الحديث فإنَّه حجَّةٌ على المالكي؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ المهاجرين بعد الحُديبية وقبل الفتح من أصحاب النَّبِيِّ - ﷺ -، وهو خلاف ما
[ ٥٧ ]
زعمه في رأيه المبتَكر من أنَّ الصُّحبةَ المحمود أهلها مختصَّةٌ بالمهاجرين قبل صلح الحُديبية.
* * *