قال في كتابه الجرح والتعديل (١/٨٧): «فأمَّا أصحابُ رسول الله - ﷺ - فهم الذين شهدوا الوحيَ والتنزيلَ، وعرفوا التفسيرَ والتأويلَ، وهم الذين اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيِّه - ﷺ - ونصرتِه وإقامةِ دينه وإظهارِ حقِّه، فرضيهم له صحابةً، وجعلهم لنا أعلامًا وقدوةً، فحفظوا عنه - ﷺ - ما بلَّغهم عن الله ﷿، وما سنَّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدّب، ووعَوْه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمرَ الله ونهيه
[ ١٣٤ ]
ومراده بمعاينة رسول الله - ﷺ - ومشاهدتهم منه تفسيرَ الكتاب وتأويله، وتلقّفهم منه واستنباطهم عنه، فشرَّفهم الله ﷿ بما مَنَّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إيَّاهم موضع القدوة»، إلى أن قال: «فكانوا عدولَ الأمَّة وأئمَّةَ الهدى وحججَ الدِّين ونقلةَ الكتاب والسنة.
وندب الله ﷿ إلى التمسُّك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم، فقال: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية.
ووجدنا النَّبِيَّ - ﷺ - قد حضَّ على التبليغ عنه في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطبُ أصحابَه فيها، منها أن دعا لهم فقال: (نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتّى يبلِّغها غيرَه)، وقال - ﷺ - في خطبته: (فليبلِّغ الشّاهدُ منكم الغائبَ)، وقال: (بلِّغوا عنِّي ولو آيةً، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) .
ثمَّ تفرَّقت الصحابةُ ﵃ في النَّواحي والأمصار والثغور، وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام، فبثَّ كلُّ واحدٍ منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله - ﷺ -، وحكموا بحكم الله ﷿ وأمضوا الأمور على ما سنَّ رسول الله - ﷺ -، وأفتوا فيما سُئلوا عنه مِمَّا حضرهم من جواب رسول الله - ﷺ - عن نظائرها من المسائل، وجرّدوا أنفسهم مع تقدمة حسن النيّة والقربة إلى الله تقدّس اسمُه، لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام، حتّى قبضهم الله ﷿ رضوانُ الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين» .