قال في (ص:٥٢): «الدليل العشرون: قول إبراهيم النخعي: (مَن فضَّل عليًّا على أبي بكر وعمر فقد أَزْرَى على أصحاب رسول الله - ﷺ - المهاجرين والأنصار ) فضائل الصحابة لأحمد (١/٢٤٩)، وسنده جيِّد، رجاله كلُّهم ثقات إلاَّ الوليد بن بكير مختلَف فيه.
وفي الأثر تفسير من إبراهيم النخعي للصحابة بأنَّه (كذا) المهاجرون والأنصار فقط، فتأمَّل!!
وإبراهيم هذا من كبار التابعين، مع التحفُّظ على تشنيعه على مَن فضَّل عليًّا عليهما؛ فإنَّ هذا قد فعله بعضُ السابقين من المهاجرين والأنصار، كما ذكر ذلك ابنُ عبد البر في ترجمة الإمام عليٍّ في الاستيعاب، ودلَّت عليه بعضُ الروايات» .
والجواب عنه بما يلي:
الأول: أمَّا قوله عن إسناد الأثر: «وسنده جيِّد، رجاله ثقات إلاَّ الوليد بن بُكير مختلف فيه»، فهو غير جيِّد؛ لأنَّ الوليد بنَ بكير قال عنه الدارقطني: «متروك الحديث»، وقال عنه أبو حاتم: «شيخ»، وذكره ابن حبان في الثقات، كما في تهذيب الكمال للمزي وتهذيبه لابن حجر، وقال الحافظ في التقريب: «ليِّن»، وقال الذهبي في الميزان: «ما رأيت من
[ ٥٨ ]
وثَّقه غير ابن حبان»، وابن حبان معروف بالتساهل في التوثيق، قال الحافظ في التقريب في ترجمة عبد السلام بن أبي الجَنوب: «ضعيف، لا يُغترُّ بذِكر ابن حبان له في الثقات؛ فإنَّه ذكره في الضعفاء أيضًا» .
وأمَّا معنى الأثر فهو صحيح.
الثاني: وأمَّا استدلاله بالأثر على قَصْر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار دون غيرهم، فهو غير صحيح؛ وذِكر المهاجرين والأنصار في الأثر لا يدلُّ على إخراج غيرِهم من الصُّحبة؛ وإنَّما ذُكروا لأنَّهم مقدَّمون على غيرِهم من أصحاب النَّبِيِّ - ﷺ -، وكلُّ مَن رأى النَّبِيَّ - ﷺ - فهو من أصحابه، مع الجزم بتفاوت الصحابة في الصُّحبة والفضل.
الثالث: وأمَّا تحفُّظه على ما جاء في الأثر من تفضيل الشيخين على عليٍّ رضي الله عن الجميع، فهو مخالِف لِما عليه سلفُ هذه الأمَّة، ودلَّت عليه الأحاديثُ الصحيحةُ والآثار عن بعض الصحابة وغيرِهم، ومنهم علي ﵁، وأذكر فيما يلي بعضَ الأدلَّة الدَّالَّة على ذلك مِمَّا وقفتُ عليه من الأحاديث المرفوعة والآثار عن الصحابة، وحكاية الإجماع عن عدد من العلماء:
أوَّلًا: الأحاديث المرفوعة:
١ - ما رواه مسلم في صحيحه (٥٣٢) عن جندب بن عبد الله البَجلي ﵁ أنَّه قال: سمعتُ النَّبِيَّ - ﷺ - قبل أن يَموت بخمس وهو يقول:
«إنِّي أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإنَّ الله تعالى قد اتَّخذني خليلًا كما اتَّخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنتُ متَّخذًا مِن أمَّتِي خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكر خليلًا» الحديث.
[ ٥٩ ]
فقد أخبر النَّبِيُّ - ﷺ - عن أمرٍ لا يكون أن لو كان كيف يكون، وهو دالٌّ على تفضيل أبي بكر ﵁ على الصحابة جميعًا.
٢ - ما رواه البخاري (٣٦٦٢) ومسلم (٢٣٨٤) في صحيحيهما عن عَمرو بن العاص ﵁: «أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيتُه، فقلت: أي الناس أحبُّ إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرِّجال؟ قال: أبوها، قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال: عمر بن الخطَّاب، فعدَّ رجالًا» .
٣ - روى الترمذي في جامعه (٣٨٩٠) قال: حدَّثنا أحمد بن عَبْدة الضبِّي، حدَّثنا المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس قال: «قيل: يا رسول الله! مَن أحبُّ الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل: مِن الرِّجال؟ قال: أبوها»، وهو حديث صحيح، رجاله رجال الشيخين إلاَّ أحمد بن عبدة الضبِّي فهو من رجال مسلم.
ثانيًا: الآثار الموقوفة على الصحابة، ومنهم علي ﵁:
١ - روى البخاري في صحيحه (٣٦٧١) بإسناده عن محمد بن الحنفية - وهو محمد بن علي بن أبي طالب - قال: «قلتُ لأبي: أيُّ الناس خير بعد رسول الله - ﷺ -؟ قال: أبو بكر، قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ عمر، وخشيتُ أن يقول: عثمان، قلت: ثمَّ أنت؟ قال: ما أنا إلاَّ رجلٌ من المسلمين» .
٢ - روى الإمام أحمد في مسنده (٨٣٥ - تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد) قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا منصور بن
عبد الرحمن يعنِي الغُداني الأشل، عن الشعبي، حدَّثني أبو جُحيفة الذي كان عليٌّ يُسمِّيه: وهْب الخير، قال: قال لي عليٌّ: «يا أبا جُحيفة! ألا أُخبرك بأفضل هذه الأمة بعد نبيِّها؟ قال: قلت: بلى، قال: ولم أكن أرى
[ ٦٠ ]
أنَّ أحدًا أفضل منه، قال: أفضلُ هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، وبعدهما آخر ثالث، ولم يُسمِّه»، وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين إلاَّ منصور بن عبد الرحمن فهو من رجال مسلم، وأثر علي هذا عن أبي جُحيفة جاء في مسند الإمام أحمد وزوائده لابنه عبد الله من طرق صحيحة أو حسنة، وأرقامها من (٨٣٣) إلى (٨٣٧) و(٨٧١) .
٣ - روى الإمام أحمد في فضائل الصحابة (٤٨٤): قَثَنَا الهيثم بن خارجة والحكم بن موسى قالا: نا شهاب بن خراش، قال: حدَّثني الحجاج ابن دينار، عن أبي مَعشر، عن إبراهيم النخعي، قال: «ضرب علقمة بنُ قيس هذا المنبر، فقال: خطبنا عليٌّ على هذا المنبر، فحمِد الله وذكره ما شاء الله أن يذكرَه، ثمَّ قال: ألا إنَّه بلغنِي أنَّ أناسًا يفضِّلونِي على أبي بكر وعمر، ولو كنتُ تقدَّمت في ذلك لعاقبتُ، ولكنِّي أكرَه العقوبةَ قبل التقدُّم، فمَن قال شيئًا من ذلك فهو مفْتَرٍ، عليه ما على المفتري، إنَّ خيرَ الناس بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر ثمَّ عمر » .
وهذا إسنادٌ حسن، وأبو مَعشر هو زياد بن كُليب، وهو ثقة.
وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٩٩٣)، وقال الألباني: «إسناده حسن» .
في زوائد فضائل الصحابة (٤٩) عن عبد الله بن أحمد بإسنادٍ فيه ضعف إلى الحَكَم بن جَحْل قال: سمعتُ عليًّا يقول: «لا يفضلني أحدٌ على أبي بكر وعمر إلاَّ جلدته حدَّ المفتري» .
وهو أيضًا كذلك في السنة لابن أبي عاصم (١٢١٩)، وهو قريبٌ في المعنى من الذي قبله عن علقمة.
[ ٦١ ]
وقد أشار إبراهيم النَّخعي إلى هذه العقوبة من عليٍّ لِمَن يفضِّله على الشيخين بقوله لرجلٍ قال له: «عليٌّ أحبُّ إليَّ من أبي بكرٍ وعمر، فقال له إبراهيم: أما إنَّ عليًاّ لو سَمع كلامَك لأَوْجَع ظَهْرَك، إذا تجالسوننا بهذا فلا تجالسونا» رواه عنه ابن سعد في الطبقات (٦/٢٧٥) بإسناده إليه عن أحمد بن يونس عن أبي الأحوص ومُفضَّل بن مُهَلْهَل عن مغيرة عنه، ورجالُه ثقاتٌ محتجٌّ بهم، وهم من رجال الصحيحين، إلاَّ المفضل بن مهلهل فهو من رجال مسلم، وفيه عنعنة المغيرة عن إبراهيم، وهو مدلِّس.
٤ - روى ابن ماجه في سننه (١٠٦) قال: حدَّثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلِمة قال: سمعتُ عليًاّ يقول: «خيرُ الناس بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر، وخير الناس بعد أبي بكر عمر» .
ورجاله محتجٌّ بهم، ثلاثة منهم من رجال البخاري ومسلم، وصححه الألباني.
٥ - روى البخاري في صحيحه (٣٦٥٥) بإسناده إلى عبد الله بن عمر أنَّه قال: «كنَّا نُخيِّر بين الناس في زمن النَّبِيِّ - ﷺ -، فنخيِّر أبا بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان بن عفّان، ﵃» .
ثالثًا: حكايةُ الإجماع:
قد جاء حكايةُ الإجماع أو ما يدلُّ عليه في تفضيل أبي بكر وعمر على غيرِهما من الصحابة عن جماعةٍ من العلماء، منهم:
١ - يحيى بن سعيد الأنصاري (١٤٤هـ) ذكره اللاّلكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢٦٠٨ و٢٦٠٩) .
[ ٦٢ ]
٢ - سفيان بن سعيد الثوري (١٦١هـ)، ذكره ابن أبي زمنين في كتابه أصول السنة (١٩٤) .
٣ - شريك بن عبد الله النخعي الكوفي (١٧٧هـ)، ذكره ابن أبي زمنين في كتابه السابق (١٩٤) .
٤ - عبد الله بن المبارك (١٨١هـ)، ذكره ابن أبي زمنين في كتابه السابق (١٩٧) .
٥ - محمد بن إدريس الشافعي (٢٠٤هـ)، ذكره البيهقي في الاعتقاد (ص:١٩٢) .
٦ - يوسف بن عدي (٢٣٢هـ)، ذكره ابن أبي زمنين في كتابه السابق (١٩٦) .
٧ و٨ - أبوزرعة (٢٦٤هـ) وأبو حاتم (٢٧٧هـ) الرازيان، ذكره عنهما اللاّلكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣٢١) .
٩ - النووي (٦٧٦هـ)، ذكره في شرحه على مسلم (١٥/١٤٨) .
١٠ - ابن تيمية (٧٢٨هـ)، ذكره في الوصية الكبرى (ص:٥٩ و٦٠)، وفي منهاج السنة (٨/٤١٣) .
١١ - الذهبي (٧٤٨هـ)، ذكره في كتاب الكبائر (ص:٢٣٦) .
وأمَّا ما عزاه إلى كتاب الاستيعاب لابن عبد البر من تفضيل عددٍ من الصحابة عليًّا على أبي بكر وعمر ﵃، فلَم أقف على أسانيد عنهم بذلك، ولو ثبت شيءٌ من هذا فهو محمولٌ على مثل ما حصل لأبي جُحيفة ﵁ قبل أن يَسمع من عليٍّ تفضيل أبي بكر وعمر عليه، حيث قال: «ولم أكن أرى أنَّ أحدًا أفضل منه»، وقد مرَّ قريبًا.
[ ٦٣ ]
وأيضًا لو ثبت النقلُ عنهم فإنَّه لا يُقاوم ما ثبت في الأحاديث المرفوعة إلى النَّبِيِّ - ﷺ - والآثار الموقوفة على الصحابة، ومنهم عليّ ﵁، وهو مخالِف لِما نُقل من الإجماع في تفضيل الشيخين على عليٍّ رضي الله عن الجميع.
وأمَّا ما زعمه من دلالة بعض الروايات على تفضيل عليٍّ ﵁ على غيره فلَم يُبيِّن شيئًا من هذه الروايات، ولعلَّه يعنِي حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قال لعليٍّ ﵁: «أمَا ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى، إلاَّ أنَّه لا نبيَّ بعدي»، وقد أشار إليه في كلامه الذي شكَّك فيه بأحقِّية أبي بكر بالخلافة، وسيأتي ذكرُه قريبًا والجواب عنه، وهو يدلُّ على فضل عليٍّ ﵁، ولا يدلُّ على أفضليَّته على الخلفاء الثلاثة الذين قبله، رضي الله عن الجميع.
ومِمَّا تقدَّم من الأحاديث والآثار وحكايات الإجماع اتَّضح أنَّ الحقَّ هو تفضيل أبي بكر ﵁ على غيره من الصحابة، ومن العجب أن يُشكِّك المالكي في أفضليَّة أبي بكر على غيره، مع أنَّ تفضيلَه على سائر الصحابة دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة وحكاية الإجماع من عددٍ من العلماء، بل قد ثبت عن عليٍّ ﵁ من رواية أربعة من التابعين أنَّ عليًّا ﵁ يُفضِّلُ أبا بكر عليه، وواحد منها في صحيح البخاري، وفي بعضها تفضيله - أي علي - عمرَ عليه، بل لقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الوصيَّة الكبرى (ص:٥٩ - ٦٠): «وقد اتَّفق أهلُ السنَّة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنَّه قال: خير هذه الأمة بعد نبيِّها أبو بكر، ثمَّ عمر، ﵄» .
[ ٦٤ ]
وفي ترجمة عبد الرزاق بن همام في تهذيب الكمال للمزي قال أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري: سمعتُ عبد الرزاق يقول: «أفضِّل الشيخين بتفضيل عليٍّ إيَّاهما على نفسه، ولو لَم يُفضِّلهما ما فضَّلتُهما، كفى بي إزراءً أن أحبَّ عليًّا ثمَّ أخالف قولَه» .
وفي زوائد فضائل الصحابة (١٢٦) عن عبد الله بن أحمد: قثنا سلمة ابن شَبيب أبو عبد الرحمن النيسابوري، قال: سمعتُ عبد الرزاق يقول:
«والله! ما انشرح صدري قطُّ أن أُفضِّل عليًّا على أبي بكر وعمر، ورحمة الله على أبي بكر وعمر، ورحمة الله على عثمان، ورحمة الله على عليٍّ، ومَن لَم يحبَّهم فما هو بمؤمن، وإنَّ أوثقَ أعمالِنا حبُّنا إيَّاهم أجمعين، ﵃ أجمعين، ولا جعل لأحد منهم في أعناقنا تَبِعة، وحَشَرنا في زُمْرَتهم ومعهم، آمين رب العالمين!»، وسلمة بن شبيب ثقة من رجال مسلم.
* * *