ذَكَرَ آثارًا مستدلًاّ بها على أنَّ الصحابةَ ليسوا إلاَّ المهاجرين والأنصار، وأنَّ العباس وابنَه عبد الله ليسَا من الصحابة، فقال في (ص:٥٢): «الدليل الواحد والعشرون: وقال العباس لابنه عبد الله: (يا بُنَيَّ! أرى أمير المؤمنين - يقصد عمر - يُقرِّبك ويَخلو بك ويستشيرُك مع ناسٍ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فاحفظ عنِّي ثلاثًا ) (فضائل الصحابة لأحمد ٢/٩٥٧) والإسناد رجاله ثقات إلاَّ مجالد بن سعيد.
أقول: إن صحَّ فالعباس لا يرى نفسه ولا ابنَه من أصحاب النَّبِيِّ - ﷺ -، يُفهَم هذا من سياق الخبر، لكن مجالِد ضعيفٌ جدًّا، وقد اتُّهم بالكذب، لكن يشهد للمتن ما يأتي:
الدليل الثاني والعشرون: قول ابن عباس نفسه (كان عمر يسألُنِي مع أصحاب محمد - ﷺ -، فكان يقول لي ) (فضائل الصحابة لأحمد ٢/٩٧٠، وإسناده صحيح، وقد صححه المحقق) .
أقول: هذا دليل على أنَّ ابنَ عباس أخرج نفسَه من أصحاب محمد - ﷺ -، وهو دليل على خروج مَن أسلم بعده كالطلقاء وأمثالِهم، وهذا الإسناد صحيح إلى ابن عباس!
الدليل الثالث والعشرون: قول ابن عباس: (لَمَّا قُبض النَّبِيُّ - ﷺ - قلت لرجل من الأنصار: هَلُمَّ فلنسأَلْ أصحابَ النَّبِيِّ - ﷺ - عن حديث رسول الله - ﷺ -، قال: العجب منك يا ابن عباس! أترى الناسَ يحتاجون إليك وفي الأرض مَن ترى من أصحاب رسول - ﷺ - ؟!) (فضائل الصحابة لأحمد ٢/٩٧٦،
[ ٨٣ ]
وسنده صحيح، وقد صححه المحقق) .
أقول: وهذا يشهد لقول ابن عباس السابق أنَّ الصحابةَ هم المهاجرون والأنصار فقط!!!
الدليل الرابع والعشرون: قول الليث: قيل لطاووس: (أدركتَ أصحاب محمد، وانقطعتَ إلى ابن عباس؟! فقال: أدركتُ سبعين من أصحاب النَّبِيِّ - ﷺ - إذا اختلفوا في شيء انتهوا إلى قول ابن عباس) (فضائل الصحابة لأحمد ٢/٩٦٧، والإسناد رجاله ثقات، إلاَّ ليث بن أبي سليم، وقد حسنه المحقق، وصحَّح الأثر) .
أقول: طاووس بن كيسان من كبار التابعين، ومن ظاهر الأثر يبدو
ـ والله أعلم - أنَّه لا يرى ابنَ عباس من أصحاب النَّبِيِّ - ﷺ - مع جلالة ابن عباس وفضله وعلمه» .
أقول:
إنَّ قَصْرَ المالكي الصُّحبةَ المحمود أهلها على المهاجرين والأنصار قبل صُلح الحُديبية أوقعه في إخراجِ عددٍ كبير من الصحابة من أن ينالوا شرفَ الصُّحبة، وفيهم العباسُ بن عبد المطلب عمُّ النَّبِيِّ - ﷺ - ﵁ وابنُه عبد الله بن عباس حَبْر الأمَّة وترجمان القرآن، الذي بلغت أحاديثُه في الكتب الستة ستين وستمئة وألف حديث، كما في الخلاصة للخزرجي، اتَّفق البخاري ومسلم منها على خمسة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بإخراج ثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين.
وإنَّها لإحدى الكُبَر أن يَدَّعيَ المالكيُّ أنَّ العبَّاسَ وابنَه عبد الله لَم يظفرَا بفضيلة الصُّحبة، وهو شيء لَم يُسبَق إليه، وما سمعتُ ولا رأيتُ قبل وقوفي
[ ٨٤ ]
على كلامه هذا مثل هذه الدَّعوى الباطلة الخاطئة، وإنَّ مُجرَّدَ تصوُّر هذا القول الباطل يُغنِي عن الاشتغال بالردِّ عليه، ومع هذا فإنِّي أجيب عليه بما يأتي:
الأول: أنَّه لَم يأت عن أحدٍ من الصحابة ومَن بعدهم ما يُخرج العباس وابنَه عبد الله مِن أن ينالاَ شرف الصُّحبة لرسول الله - ﷺ -، وعلى هذا فمِثْلُ هذه الدعوى من المالكي مِن مُحدَثات القرن الخامس عشر!
الثاني: أنَّ ذِكرَ أحد الصحابة أصحابَ النَّبِيِّ - ﷺ - لا يُخرجه منهم، فما ذكره المالكيُّ من آثار جاء فيها ذِكرُ العباس أو ابنِه أصحابَ رسول الله - ﷺ - ليس فيها دليل على إخراجهما، مع أنَّ ذكرَه للعباس جاء في إسنادٍ فيه مُجالد الذي قال فيه إنَّه ضعيفٌ جدًّا، وقد اتُّهم بالكذب، ومِمَّا يُوَضِّح ذلك ما رواه أبو داود في سننه (٣٦٥١) قال: حدَّثنا عمرو بن عون، أخبرنا خالد، ح وحدَّثنا مسدَّد، حدَّثنا خالد - المعنى - عن بيان بن بِشر، قال مُسدَّد: أبو بِشر، عن وَبْرة بن عبد الرحمن، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قلت للزبير: ما يَمنعُك أن تُحدِّث عن رسول الله - ﷺ - كما يُحدِّث عنه أصحابُه؟ فقال: أما والله! لقد كان لي منه وجه ومنزلة، ولكنِّي سَمعتُه يقول: «مَن كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار»، وهوحديث صحيح، رجال إسنادِه خرَّج لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما إلاَّ أحد شيخي أبي داود وهو مسدَّد، فهو من رجال البخاري وحده.
وقول ابن الزبير لأبيه: «ما يَمنعُك أن تُحدِّث عن رسول الله - ﷺ - كما يُحدِّث عنه أصحابُه؟» لا يدلُّ على خروج الزبير وابنِه من أصحابِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ فإنَّ الزبير ﵁ من السابقين الأولين من المهاجرين، وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنَّة، وابنه عبد الله أوَّل مولود وُلد بالمدينة بعد الهجرة.
[ ٨٥ ]
ويدلُّ لذلك أيضًا ما رواه البخاري في صحيحه (٢٩٨٤) عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: «يا رسول الله! يرجع أصحابُك بأجر حجٍّ وعمرةٍ، ولم أزِدْ على الحج؟» الحديث.
وفي حديث عائشة في صحيح مسلم (٢/٨٧٥) قالت: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مُهِلِّين بالحج؟ فخرج إلى أصحابه، فقال: مَن لَم يكن معه منكم هَدْيٌ فأحبَّ أن يجعلها عمرةً فليفعل، ومَن كان معه هديٌ فلا، فمنهم الآخذ بها والتَّاركُ لها مِمَّن لَم يكن معه هديٌ، فأمَّا رسول الله - ﷺ - فكان معه الهدي، ومع رجال من أصحابه لهم قوَّة، فدخل عليَّ رسولُ الله - ﷺ - وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلتُ: سمعتُ كلامك مع أصحابك فسمعت بالعمرة فمُنِعتُ العمرة، قال: وما لك؟ قلت: لا أصلِّي» الحديث.
فذِكرُ أمِّ المؤمنين عائشةَ ﵂ أصحابَ رسول الله - ﷺ - في هذه المواضع الثلاثة لا يدلُّ على إخراجها منهم، بل إنَّه يدلُّ على أنَّ كلَّ الذين صحبوه في حجَّته هم من أصحابه. وهذا الذي جاء عن العباس وابنه وابن الزبير وعائشة ﵃ له نظائرُ كثيرةٌ في كلام أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنهم، وهو واضحٌ في عدم خروج المتكلِّم به ومَن يخاطبه مِن أن يكون مِن أصحاب النَّبِيِّ - ﷺ -.
الثالث: أنَّ ما زعمه المالكي مِن كون العباس وابنه عبد الله ﵄ لَم ينالا شرفَ صحبة رسول الله - ﷺ -، هو من الجفاء في بعض أهل البيت من أصحابه - ﷺ -، فقد قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/٤١٩): «وأبعدُ الناس عن هذه الوصيَّة - يعني وصيَّةَ رسول الله - ﷺ - في أهل بيته - الرافضةُ؛ فإنَّهم يُعادون العباسَ وذرِّيَّتَه، بل يعادون جمهورَ أهل البيت ويُعينون الكفارَ عليهم» .
[ ٨٦ ]
بل إنَّ هذا من المالكي جفاءٌ في مَن هو أقربُ نسبًا إلى رسول الله - ﷺ -، عمه العباس ﵁ الذي لوكان يُورَث - ﷺ - لوَرثه عمُّه مع زوجاته - ﷺ - وبنته ﵅؛ لقوله - ﷺ -: «ألْحِقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأَوْلَى رجلٍ ذَكر» متفق عليه، وأيضًا هو جفاءٌ لابن عمِّه
عبد الله بن عباس، الذي ضَمَّه - ﷺ - وقال: «اللهمَّ علِّمه الكتاب» رواه البخاري (٧٥)، وفي لفظ عنده (١٤٣): «اللهمَّ فقِّهه في الدِّين» .
أقول: أفيكون هذان الرَّجلان العظيمان لَم يظفَرَا بشرف صُحبة النَّبِيِّ - ﷺ -، كما زعم هذا المالكي؟! نعوذ بالله من الخذلان.
* * *