وقال في (ص:٥٧ - ٥٩): «٢ - وماذا تعنِي بالصُّحبة الشرعية؟ وهل سبقك أحدٌ إلى هذا المُسمَّى؟
الجواب: الصُّحبة الشرعية هي تلك الصُّحبة التي أثنى عليها الله ورسولُه - ﷺ -
[ ١٠٧ ]
جزمًا، ونزلت الآيات في وصفِها، وكانت أيَّام الضَّعف والذِّلَّة، أيَّام حاجة الإسلام والنَّبِيّ إلى النُّصرة، تلك الصُّحبة التي إن ورد الثناء على الأصحاب أو الأمر بعدم سبِّهم أو الأمر باقتداء بهم فلا تنصرف هذه المعاني إلاَّ للصُّحبة الشرعية، وهذا لا يعنِي عدم الثناء على الصالحين في أيِّ زمن، وإنَّما يعني احترام خصوصية السابقين الذين فضَّلهم الله ورسولُه وهم المهاجرون والأنصار.
أمَّا هل سبقنِي أحدٌ إلى هذه التسمية، فهذا سؤال له جوابان: عام وخاص:
أمَّا العام: فهناك كثيرٌ من المصطلحات أعطاها الشرعُ دلالةً خاصَّة غير دلالتها الأولى، وعلى سبيل المثال مصطلحات الزكاة والصلاة والحج، فمعانيها من حيث اللغة الطهارة أو التطهُّر والدعاء والقصد لكن الإسلام بنصوص الكتاب والسنة قد أعطى هذه المعاني دلالات أخرى مع عدم نفي الدلالات السابقة، فالحجُّ قصدٌ لكن إلى بيت الله الحرام
لأداء شعائر معيَّنة، والزكاة تُطهِّر مالَ المزكى وتطَهِّر المزَكِّي من الإثم، ونحو هذا.
بمعنى أنَّ الشرعَ يضيف تقييدات على المصطلحات العامة ليُصبح
لها مدلولًا شرعيًّا مقيَّدًا (كذا) بعد أن كان المدلول مشتركًا لفظيًّا أو يكثر فيه المجازات اللغوية، فكذلك الصُّحبة، إذا قال النَّبِيُّ - ﷺ -: (لا تسبُّوا أصحابي ) عرفنا أنَّ كلمة (أصحابي) في هذا الحديث لا تعنِي إلاَّ السابقين من المهاجرين أو الأنصار؛ بدلالة أنَّ المخاطب صحابي تأخر إسلامه إلى بعد الحديبية، وهو يدخل في الخطاب بطريق الأولى، وكذلك إذا وجدنا آيةً تُثني على (الذين معه) أي الذين مع الرسول - ﷺ -، فلا
[ ١٠٨ ]
تنصرف إلاَّ إلى الصُّحبة الشرعية؛ بدلالة الآيات الأخرى التي تقتصر على (المهاجرين والأنصار)، وهذا يعنِي أنَّ كلمة (الذين معه) كلمة مُجملة مفسرة بـ (المهاجرين والأنصار)، والقرآن مفسِّرٌ بعضه بعضًا.
وأمَّا الجواب الخاص: نعم! قد سبقنِي بعضُ الباحثين لإطلاق هذا، ومع ذلك فلا أطلب من أحدٍ أن يلتزم بهذا الإطلاق (الصُّحبة الشرعية)، لكن عليه إن أثنى على الصحابة ألاَّ ينزل هذا الثناء إلاَّ على مَن أنزله الله ورسوله عليه من المهاجرين والأنصار فقط، أمَّا أن يأتي وينزل الآيات والأحاديث في فضل بيعة الرضوان على الطلقاء أو مَن بعدهم فهذا خلاف المنهج العلمي.
وقد سبقنِي لكن بألفاظ مقاربة بعضُ العلماء، منهم إبراهيم النخعي وابن عبد البر، ومن المعاصرين الشيخ عبد الرحمن الحكمي، فهو يرى أنَّ مَن أسلم بعد بيعة الرضوان لا يدخل في مسمى الصحابة، وعنده بحث في الموضوع عندي نسخة منه.
ثمَّ أقول: مَن سبقكم إلى اعتبار الآيات الكريمة التي وردت في حقِّ المهاجرين والأنصار، من سبقكم إلى اعتبارها نازلة فيمَن بعدهم؟!
ثمَّ لا يُشترط أن يسبق في الموضوع أحدٌ ما دام للموضوع أدلَّته وبراهينه، فينطلق النَّقد على تلك البراهين والأدلة، ولا ينطلق على غير ذلك، وكلمة (مَن سبقك) ليس دليلًا؛ فقد أطلق المتأخرون ألفاظًا أو مصطلحات لَم تكن موجودة فيهم قبلهم، مثل التفسير والتجويد والمصطلح نفسه وأصول الفقه والخاص والعام والمطلق والمقيد ونحو ذلك من الألفاظ التي لَم تكن موجودة في عهد النَّبِيِّ - ﷺ - ولا القرن الأول» .
[ ١٠٩ ]
ويُجاب عن إجابته عن هذا الاعتراض الذي أورده على نفسه بما يلي:
أولًا: ما أشار إليه من الأدِلَّة الدَّالَّةِ على الثناءِ على المهاجرين والأنصار، فذلك حقٌّ وهم أهل ذلك الفضل، لكن ذلك لا ينفي أن يكون غيرُهم من أهل الفضل.
ثانيًا: ما أشار إليه من أدلَّة عامَّة فيها الثناء على الذين كانوا مع النَّبِيِّ - ﷺ -، وأنَّها محمولةٌ على المهاجرين والأنصار فقط غير صحيح؛ بل هي تشمل المهاجرين والأنصار وغيرهم مِمَّن جاء بعدهم، والمهاجرون والأنصار داخلون فيها دخولًا أوَّليًّا، ولا يجوز للمالكيِّ أن يَحقِدَ على أحدٍ من الصحابةِ، ولا أن يَحملَه الحِقدُ على كثير من الصحابة كالطُّلقاء أن يَجعلَ ما ورد عامًّا لجميع الصحابة خاصًّا بالمهاجرين والأنصار.
ثالثًا: ما ذكره من اللَّوم لِمَن ينزِّل الآيات والأحاديث في فضل بيعة الرِّضوان على الطلقاء أو من بعدهم، أقول: لا يُتصوَّر تنزيل قول الله ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ مثلًا على أحدٍ سواهم من الطلقاء وغيرهم، كما أنَّ الفضائلَ الخاصَّة بأهل بدر لا تُنزَّل على مَن سواهم، لكنَّه التهويل من هذا المالكي هداه الله.
رابعًا: ما أشار إليه من أنَّ كثيرًا من المصطلحات أعطاها الشرعُ دلالةً خاصَّةً غير دلالتها الأولى، أقول: نعم! الأمر كذلك، لكن لا يجوز أن يُفهم فهمٌ خاطئ بقَصْر الصُّحبة المحمود أهلها على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية وإضافة ذلك إلى الشرع، كما فعل المالكي؛ فإنَّ الصُّحبةَ في اللغة عامَّةٌ تشملُ القليلَ والكثيرَ، وتشمل المؤمنين والمنافقين والكفار، ولكن صُحبة الرسول - ﷺ - قد جاء الشرع بقصْرها على مَن آمن به واتَّبعه مِمَّن
[ ١١٠ ]
لقيه وصحبه، وسبق أن مرَّ في الأدلة في أوَّل هذا الرَّدِّ ما يوضح ذلك.
خامسًا: ما ذكره من أنَّ الصُّحبةَ حيث وردت تُقصَر على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية، يُجاب عنه بأنَّ لفظَ الصُّحبة مثل لفظ الإيمان يشترك فيه كلُّ مؤمن ومسلم مع التفاوت الكبير بينهم فيه، وكذلك الصُّحبة يشترك فيها كلُّ صحابيٍّ طالت صُحبتُه أو قصُرت مع التفاوت الكبير بين الصحابة في الفضل، ونظير ذلك في المحسوسات البصر، فإنَّ أهلَه متفاوتون فيه، منهم مَن هو حادُّ البصر يرى الهلال، ويرى من مسافات بعيدة، ويرى الشيءَ الدَّقيق، ومنهم مَن دون ذلك، ومنهم مَن هو ضعيف النَّظر لا يرى إلاَّ الشيءَ القريب والشيء الكبير، ومنهم مَن يُبصرُ الخطَّ الدقيق، ومنهم من لا يُبصر إلاَّ بزجاجة، وهم مشتركون جميعًا في أنَّهم مُبصرون ليسوا من أهل العمى، وسبق أن مرَّ الكلامُ على حديث: «لا تسبُّوا أصحابي» عند ذكر المالكي خالد بن الوليد وأنَّه ليس من الصحابة بزعمه.
سادسًا: هذا الرأي الفاسد للمالكي وهو قَصْر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية لَم يَجد له سلفًا فيه خلال ما مضى من قرون مع حِرصِه الشديد على وجود سلف، وقد أعلن إفلاسَه من وجود سلف بقوله هنا بأنَّه سبقه إلى ذلك شخصٌ من المعاصرين، وهو عبد الرحمن الحكمي، أمَّا ما ذكره عن النخعي وابن عبد البر فلَم يذكر كلامَهما حتى يُمكن النَّظر فيه من حيث الثبوت ومن حيث المعنى، وقوله: «وقد سبقنِي لكن بألفاظ مقاربة بعضُ العلماء، منهم إبراهيم النخعي وابن عبد البر»، أقول: تعبيره بقوله: «بألفاظ مقاربة» يدلُّ على عدم اطمئنانه إلى معنى ما عزاه إليهما.
[ ١١١ ]
سابعًا: قوله: «ثمَّ لا يُشترط أن يسبق في الموضوع أحدٌ ما دام للموضوع أدلَّته وبراهينه، فينطلق النَّقد على تلك البراهين والأدلة، ولا ينطلق على غير ذلك»، أقول: كان الأوْلَى بالمالكيِّ بدلًا من اللُّجوء إلى هذا الكلام عند إفلاسِه أن يتَّهم رأيَه ويقتدي ببعض أهل بيعة الرِّضوان الذين لَم يرتاحوا إلى بعض شروط الصُّلح وراجعوا النَّبِيَّ - ﷺ - في ذلك، وكانوا فيما بعد يقولون: يا أيها الناس! اتَّهموا الرأي في الدِّين، والأدلَّة التي أشار إليها قد فهمها السَّلفُ فهمًا صحيحًا، فلم يقصروها على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية، والواجب الاعتماد على نصوص الكتاب والسنَّة وفقًا لفهم السلف، وكان الأليقُ بالمالكي أن يستحيي مِن ذِكر هذا الرأي الفاسد الذي لَم يسبقه إليه إلاَّ عبد الرحمن الحكمي.
ثامنًا: أمَّا ما ذكره من حصول مصطلحات جديدة تعود بالنَّفع على العلم وأهله كعلم الأصول وعلم التجويد وعلم المصطلح وغير ذلك، فهذا شيءٌ محمود، وفيه تيسير العلم وتسهيل الوصول إليه، أمَّا ما ابتلي به المالكي من فهم خاطئ للنصوص وقصره الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية فلا علاقة له في تلك المصطلحات، وإنَّما هو من الإحداث في الدِّين والتنكُّب عن سبيل المؤمنين.
* * *