بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن سلك سبيلَه واهتدى بهديه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعدُ:
فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهَدْي هديُ محمد - ﷺ -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.
وبعد، فإنَّ من فضلِ الله تعالى وعظيمِ منَّتِه عليَّ أن حبَّبَ إليَّ صحابةَ رسول الله - ﷺ - الأخيار، وقرابتَه الأطهار، من غير إفراطٍ أو تفريطٍ، أو غُلوٍّ أوجفاءٍ، كما هي طريقةُ السَّلف الصالح، وقد ألَّفتُ رسالةً مختصرةً بعنوان: «عقيدةُ أهل السنَّة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃»، وقد نُشرتْ في مجلَّة الجامعة الإسلامية، في عدَدِها الثاني من السنة الرابعة، الصادر في شهر شوّال سنةَ ١٣٩١هـ، ثمَّ طُبعتْ مستقلَّة.
وألَّفتُ رسالةً بعنوان: «فضلُ أهل البيت وعُلوُّ مكانتهم عند أهل السنَّة والجماعة» طُبعتْ في عام ١٤٢٢هـ، وسبق أن ألقيتُ محاضرةً في الموضوع في الجامعة الإسلامية في عام ١٤٠٥هـ تقريبًا بعنوان: «مكانةُ أهل البيت عند الصحابة وتابعيهم بإحسان» .
[ ٥ ]
وقد ألقيتُ محاضرةً في قاعة المحاضرات في الجامعة الإسلامية في عام ١٤٠٥هـ تقريبًا عن معاويةَ بن أبي سفيان ﵁، وكان عنوانها في أوَّل الأمر «معاوية بن أبي سفيان ﵁ بين المنصفين والمتعسِّفين»، لكنِّي عند إلقائها اقتصرتُ على كلام أهل الإنصاف دون ذكر شيءٍ من كلام أهل الاعتساف، ثمَّ طُبعت بعنوان: «من أقوال المنصفين في الصحابيِّ الخليفةِ معاويةَ ﵁» .
وفي الآونة الأخيرة وقفتُ على رسالتين لأحد المتعسِّفين الجُدُد، وهو حسن بن فرحان المالكي (نسبة إلى بَنِي مالك في أقصى جنوب المملكة)، إحداهما بعنوان: «الصحابةُ بين الصُّحبة اللُّغوية والصُّحبة الشَّرعية»، والثانية بعنوان: «قراءةٌ في كتب العقائد»، اشتملتَا على تَخبُّطٍ وتَخليطٍ في مسائل الاعتقاد، ولا سيَما في الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وعلى النَّيل من عددٍ كبيرٍ من علماء أهل السنَّة المتقدِّمين والمتأخِّرين، وإشادة بأهل البدع.
وسأقتصرُ في هذه الرسالة على دحضِ أباطيله في حقِّ الصحابة الكرام ﵃ وأرضاهم.
ومن هذه الأباطيل: تقسيمُه الصحبةَ إلى صحبةٍ شرعيَّة وصحبةٍ لغويَّةٍ، ويريدُ بالصُّحبة الشرعيَّة صحبة المهاجرين والأنصار من أوَّل الهجرة إلى صُلح الحُديبية، وأنَّ ما ورد من فضائل لأصحاب رسول الله - ﷺ - إنَّما هي لهؤلاء وحدهم، ومَن كان بعد الحُديبية فصحبتُه لغويَّة كصحبة المنافقين والكفّار. فأخرج بذلك الألوفَ الكثيرةَ من أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين أسلموا وهاجروا إلى رسول الله - ﷺ - بعد الحُديبية، وكذلك الذين أسلموا عامَ الفتح، والوفودَ الذين وَفَدوا على رسول الله - ﷺ - وغيرَهم، ومِن الذين زعم أنَّهم لَم يظفروا بشرف الصُّحبة لرسول الله - ﷺ - وأنَّ صُحبَتَهم إيَّاه
[ ٦ ]
كصُحبة الكفَّار والمنافقين: عمُّه العباس بن عبد المطّلب وابنُه عبد الله وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومعاوية ﵃، وسيأتي تنصيصُه على عدم صحبتِهم والردُّ عليه.
ومن هذه الأباطيل تشكيكُه في أفضليَّة أبي بكر على غيره وفي أَوْلَوِيَّته بالخلافة بعد رسول الله - ﷺ -، وغير ذلك مِمَّا سأذكرُه في الرَّدِّ عليه.
والله يعلم أنَّني كارهٌ لإيراد هذه الأباطيل، لكن حالي كما جاء في
المَثَل: «مُكرَهٌ أخوك لا بطل»، كما في مجمع الأمثال للميداني (ص:٢٧٤)، فأجدُني مضطرًّا إلى إيراد هذه التَّعسُّفات والرَّدِّ عليها،
وأقول فيها كما قال السيوطي في كتابه «مفتاح الجنة في الاحتجاج
بالسنة» (ص:٥) في إبطال قول من قال: (إنَّه لا يُحتَجُّ بالسُّنَّة، إنَّما
يُحتجُّ بالقرآن وحده!) قال: «اعلموا - يرحمكم الله - أنَّ من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تُذكر إلاَّ عند داعية الضرورة» إلى أن قال في (ص:٦): «وهذه آراء ما كنتُ أستحلُّ حكايتَها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد، الذي كان الناس في راحة منه من أعصار» .
ولشناعة هذه الأباطيل، فإنَّ مجرَّدَ تصوُّرِها يُغني عن الاشتغال في الردِّ عليها، لكنِّي رأيتُ الردَّ عليها في هذه الرسالة؛ لئلاَّ يغتَرَّ بها ذو جهل أو تغفيل، ورجاء أن يهدِيَ الله المردودَ عليه، ويُخرجه من الظلمات إلى النور، فيتوبَ من تلك الأباطيل قبل أن يفجأَه هادِمُ اللَّذَّات، والرجوعُ إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل، كما قال ذلك عمر بن الخطاب ﵁ (تفسير القرطبي ٥/٢٦٢) .
[ ٧ ]
وقد سَمَّيتُ هذه الرسالة:
وما أعزوُه إليه مِن كلامٍ باطل للردِّ عليه فهو في كتابه الذي في الصحابة، وما كان في الكتاب الآخر وهو: «قراءةٌ في كتب العقائد» فإنِّي أنصُّ عليه، فأقول: قال في «قراءته» كذا وكذا، وقد رددتُ عليه من كتابه هذا في موضعين من هذا الردِّ (ص:٦٥)، (ص:١١٥ )، وسأُفرِدُ بحول الله الردَّ عليه فيه بكتاب بعنوان: «الانتصار لأهل السُّنَّة والحديث في ردِّ أباطيل حسن المالكي» .
وأسأل الله ﷿ التوفيقَ لِما فيه رضاه والفقهَ في دينه والثباتَ على الحقِّ، إنَّه سميعٌ مجيب.
* * *
[ ٨ ]